أين تلتقي الصحّة النفسيّة مع إطالة العمر Longevity؟

أين تلتقي الصحّة النفسيّة مع إطالة العمر Longevity؟

منذ سنوات، يشهد موضوع “إطالة العمر Longevity” اهتماماً متزايداً ورواجاً متصاعِداً في الخطاب العام وعلى السوشال ميديا. 

 

يدور هذا الحقل الصّحّي حول سؤال: كيف نفهم ظاهِرة “الهَرَم Ageing” وكيف نستفيدُ من هذا الفهم في إطالة العمر المتوقّع للإنسان، وفي الحفاظ على صحته وحيويته واستقلاليّته حتى آخر عمره؟ 

 

هذا الحقل يندرج ضمن الطّبّ الوقائيّ Preventive Medicine وهذا جزءٌ أصيلٌ وقديم من الطّب، فالصحة هي غايةُ الطب، وإطالة العمر المتوقّع ومساعدةُ الإنسان على أن يعيشَ عمرَه المتقدّم بالحد الأدنى من التعطّل والمرض وبالحدّ الأعلى من الحيوية هو الغاية المنطقيّة للطبّ في جوهرِه. وشأن جميع فروع الطّب والصّحة، هناك الكثير من المبالغات والمغالطات والدجل والنصب الصريح فيما ينتشر حولَه في السوشال ميديا، وهو أكثرُ عرضةً من غيرِه لهذا الأمر، لأنه حقلٌ حديث، وتنتشِرُ فيه بالتّالي التهويلات والمبالغات، والفرضيّات غيرُ المثبَتة، والأفكار التي ما تزالُ أفكاراً ولا تسندُها بيانات ودراسات، والتجارب الفردية التي لا يمكن تعميمها، ومن يريدونَ أن يبنوا جمهوراً سريعاً حول أفكار مثيرة بلا أدلّة. 

 

ولأنّ الصحّة النفسيّة الجيّدة، وإطالة أمد العافية، كلاهما غايةٌ مهمّة، فمن المهمّ أن نعلَمَ أين يتقاطَعُ هذان الحقلان، فإذا كان هناك سلوكٌ يدعَمُ كلّاً منهما، فهذا سببٌ إضافيّ للقيامِ به.

 

وقبلَ الحديث عن السلوكيات والممارسات التي تدعم الصحّة النفسيّة وإطالة العمر، من المهمّ أن نقول إنّ الصحّة النفسيّة أساسيّةٌ في مسعى إطالةِ العمر من الأصل، فمن يرغبُ في إطالةِ عمرِه المتوقّع، يهمّه بالضرورة أن يعيشَ هذا العمر في طمأنينة واستقرار نفسيّ، لا في ألم ومعاناة.

 

والسّلوكيات والممارسات التي يتوفّرُ دليلٌ علميّ جيّد على أنها تدعم كلا من الصحة النفسية وإطالة العمر تشمل ما يلي:

 

1– العلاقات الجيّدة: 

التواصل الاجتماعي ووجود العلاقات الجيّدة الداعمة في حياة الإنسان من أهمّ العوامل التي تدعمُ الصحّة الجسديّة والنفسيّة، وتطيل العمر المتوقّع وتزيد الاستقرار النفسيّ والطمأنينة.

 

2– الرياضات التنفسية  (Aerobic Exercises)

وهي الرياضات التي تزيد من نشاط الدورة الدموية، أي تعتمد على القلب والرئتين، مثل المشي والركض والسباحة وركوب الدراجة وكرة القدم والسّلّة وغيرها. هذه الرياضات من أهم ما يزيدُ العمر المتوقّع، وذلك من خلال مقياس مهم هو VO2 Max أي القدرة القصوى للجسم على توفير الأوكسجين واستخدامه، وهي تعتمد على كفاءة القلب والرئتين.

والرياضات التنفسيّة لها دور مثبت علميّاً في تحسين الصحة النفسية والمزاج ومقاومة القلق والاكتئاب.

 

3– رياضات المقاومة (رفع الأثقال)

فهذه الرياضات تزيد من الكتلة العضليّة (أي حجم العضلات ببساطة)، وحجم العضلات من أهم عوامل إطالة العمر والصحة الجسدية الجيدة في العمر المتقدّم.

كما أنّ الدليل العلمي ممتاز على أهمية تمرين العضلات وبنائها للصحة النفسيّة، وذلك من خلال إفرازها لمجموعة من الهرمونات والنواقل العصبيّة التي تحسّن المزاج وتدعم الصحة النفسيّ’، فضلاً عن زيادتها لهرمون التيستوستيرون، وإفراز الميلاتونين المهم للنوم الجيد.

 

4– النوم الجيد

النوم الجيّد والكافي يحمي من طيف واسع من الأمراض المزمنة التي تقصّر العمر وتسبب العجز والتعطّل في العمر المتقدّم، مثل الخرَف وفقدان الذاكرة وأمراض القلب والجلطات الدماغية وأمراض الاستقلاب وغيرها.

كما أن النوم الجيّد من أهم ما يدعم الصحّة النفسية ويقلل القلق والاكتئاب.

 

5– التغذية الجيّدة المتوازنة

أكرّر دائماً أنّ التغذية هي الميدان الأوسع للمبالغات والمغالطات المرتبطة بالصّحة الجسديّة والنفسيّة، وأكثر المجالات التي تعاني من الدجل والنصب.

وببساطة، ما نعلمُه هو أنّ التغذية المتوازنة التي تشتمل على العناصر الأساسية وكميّة كافية من البروتين هي ما ينبغي أن نهتمّ به، بدلاً من الهوس بأكل أطعمة معيّنة أو تجنّب أطعمة معيّنة.

نمط الغذاء المتوسّطي، أي وفرة الخضار والفاكهة وكميات معتدلة من اللحم الأبيض والسّمك، إذا ما تناولناه ضمن كميّات لا تتجاوزُ حاجتنا الطبيعية من السعرات الحرارية، هو أحد الخيارات الممتازة لصحّة نفسيّة جيّدة ولإطالة العمر.

 

6– النشاط الذهني 

أي إبقاء الذهن والقدرات العقليّة فاعلة ونشيطة، من خلال العمل والتواصل الاجتماعي والقراءة والكتابة وتعلّم مهارات جديدة. فهذه كلها تبقي الذهن نشيطاً وحيوياً، وتزيد من الشعور بالمعنى والرضا عن النفس.

 

7– الابتعاد عن الموادّ المؤذية مثل التدخين والكحول والمدمَنات

فهذه لها آثار صحيّة معروفة منها زيادة احتمال الأورام المختلفة وأمراض القلب والرئتين والكبد، ولها آثار نفسية سلبيّة على القلق والاكتئاب والكفاءة الذهنيّة والذاكرة.

 

8– إدارة التوتّر وتقليل أسبابه

 

لا يمكن تجنّب التوتر تماماً، لكنّ التقليل منه قدر المستطاع، خصوصا التوتّر المزمن طويل الأمد، له أهمّية بالغة في تقليل الأمراض النفسيّة والجسديّة. 

يمكن فعل ذلك بطرق مختلفة، بعضها ذكرناها مثل الرياضة والنوم الجيد والعلاقات الداعمة، وكذلك من خلال التفكّر والامتنان والحضور الذهني.

 

9– الروحانيّة والتديّن

فهذه تؤثّر بطرق إيجابية مختلِفة، من خلال توفير مجتمع داعم، وتقليل التوتر، وزيادة النشاط الجسدي -الذهاب لدار لعبادة والزيارات الاجتماعية- والإمداد بالمعنى، وهذه كلها تحسن الصحة النفسية وتطيل العمر.

 

10– عوامل أخرى

فهناك الكثير مما يساهم إيجابيّاً في الصحة النفسية وإطالة العمر بطرق غير مباشرة، مثل التفكر، والحضور الذهني، والامتنان، وغيرها.

 

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة