اختبارات الشّخصيّة .. علم أم خيال؟

اختبارات الشّخصيّة .. علم أم خيال؟

محاولتُنا لفهم طِباعِنا وشخصيّاتِنا لها تاريخٌ طويلٌ جدّاً، وأخذت منحى جدّيّاً في القرن العشرين. لكنّ الاهتمام بالموضوع أخذَ بُعداً جديداً في السّنوات الأخيرة، ومن أهمّ أسباب ذلك زيادةُ اهتمام البشر بمشاعرهم وعالمِهم الدّاخليّ، وكذلك احتفاؤُهم الكبير بفردانيّتِهم وتعريفُهم لأنفسِهم كأفراد، مع ما لذلك من إيجابيّات وسلبيّات، إذ من المنطقيّ أن تحظى “الشخصيّة” واختباراتُها باهتمامٍ أكبر في المجتمعات الفردانيّة منها في المجتمعات الجماعيّة والقبليّة وما إلى ذلك.

 

هناك مقاييسُ مهمّة لأيّ اختبار سيكولوجيّ كي يكونَ ذا معنى. يُمكِنُ لأيّ شخص أن يكتبَ مئة سؤال مثَلاً متعلّقة بالشخصيّة والطّباع، وبعدَ أن تُجيبَها، يُلخّصُ أجوبتك في فقرة، ويحوّلُها إلى تسميات وثنائيّات.

 

مثَلاً، يُمكن أن تكونَ هناك مجموعةُ أسئلة حول القلق، من قبيل “هل تخاف من المجهول” أو “هل تثِقُ بالنّاس في العادة أم تخشاهم؟”. وبالطريقة نفِسِها، يُمكن أن تكون هناك خمسة أسئلة عن كلّ صفة مفترضة، مثل الشّجاعة والأنانيّة والكرَم والاجتِهاد والإيثار، ثمّ تكونُ النتيجة ملفّا من عشرين صفة، تُخبِركَ إلى أيّ درجة أنت تتّصِفُ بكلّ من هذه الصّفات. فهل هذا اختِبارُ شخصيّة؟

 

لا بالطّبع، فأيّ اختِبار سيكولوجيّ ينبَغي أن يقيسَ شيئاً حقيقيّاً موجوداً في الواقع، لا مجرّد كلماتٍ يُعيدُها عليك بصياغة مختلِفة بعد أن سألك مجموعةَ أسئلة.

 

هذا هو مطبّ أكثرِ اختباراتِ الشّخصيّة، وعلى رأسِها اختبار  Myers-Briggs MBTI  ذائع الصّيت، الذي يزعُمُ أنّه يقيسُ أربعَ صِفاتٍ أساسيّة، ولكلّ صفةٍ منها احتمالان، فالخيارات المتاحة هي:

  • انفتاحي  أو انطوائي (Introvert vs Extrovert)
  • حسّي أو حدسي (Sensing vs Intuition)
  • تفكيري أو شعوري (Thinking vs Feeling)
  • حُكمي أو إدراكي (Judging vs Perceptive)

 

وبالتّالي فالنتيجة هي 16 نمَطاً محتمَلاً من الشّخصيّات.

 

وهذا الاختبار تعرّضَ لكثيرٍ من النقد العلميّ، فهو لا يُغطّي بشكلٍ كاف الصّفات التي تتفاوتُ فيها شخصيّاتُ البشر (فأين تقع الشّجاعة والكرم والقابليّة للقلق والذّكاء وانفتاح الذّهن وكثيرٌ غيرُها على هذا الاختبار؟)، كما أنّه يُقسّمُ الصّفات إلى أحد خيارَين، فأنت إما حسّي أو حدسيّ، والحقيقة أنّ البشر يقَعونَ على طيف في طِباعِهم وصفاتِهم، لا على هذا الجهة أو تلك بالضّرورة، وحتّى الذين يُمكِنُ أن نصفَهم مثَلاً بأنّهم “انطوائيّون” يتفاوتون كثيراً في مقدارِ انطوائيّتِهم.

 

باختِصار، هذا المقياسُ لا يغطّي أبعاداً مهمةً جدّا في الشخصيّة، ولا يقيسُ بدقّة ما يزعمُ أنّه يقيسُه، ويُعطي صورةً مختزَلة عن الصّفات التي يُحاولُ أن يقيسَها.

 

وللأسف، ما يزالُ هذا الاختبار شائعاً ومنتشِراً، ويضعُه كثيرون على معرّفاتِهم في السّوشال ميديا، وتستخدمُه الشّركات للتوظيف، رغمَ الانتقاداتِ العلميّة الكبيرة عليه.

 

نموذج الأبعاد الخمسة الكبرى

أفضلُ نموذجٍ لقياسِ السخصيّات، والنموذجُ الأكثرُ علميّةً ومصداقيّة، هو نموذجُ الأبعاد الخمسةِ الكُبرى. هذا النموذج يقيسُ الشخصيّةَ على خمسةِ أبعاد كبرى:

 

  • الانفتاحية و الانطوائيّة
  • الحساسيّة و الثّبات الانفعالي
  • الانضباطيّة الذّاتية والوازع الداخلي
  • التوافقيّة الاجتماعيّة
  • الذكاء والانفتاح على التجربة

وكلُّ بُعدٍ من هذه الأبعاد الكبرى ينقسِمُ إلى مكوّناتٍ أصغر، كما أنّ هذه الأبعاد الكبرى ومكوناتها الفرعية كلّها عبارةٌ عن طيف، وليست على طريقة “إما/أو”. وهذا الاختبار هو أفضلُ ما لدينا من ناحية تغطيتِه لمكوّنات الشخصيّة بشكل وافٍ، ومن ناحية المصداقيّة الرياضيّة، أي أنّه يقيسُ بالفعل ما يدّعي أنّه يقيسُه، كما أنه يُعطي النتائج على شكلِ طيف، لا خياراتٍ ثنائيّة.

 

تتوفّرُ مجموعةٌ من الاختبارات المجّانية التي تعتمِدُ على هذا النموذج، وهذا أحدُها:

 

https://bigfive-test.com/?utm_source=chatgpt.com

 

ونتمنّى أن يُصبِحَ هذا النموذج، لموثوقيّته العلميّة، هو النّموذج الذي يستخدِمه الناس عند الحديث عن الشخصيّة واختلافاتها وطباعها، فالتمسّك بنماذج فشلت في اختبار الموثوقيّة العلمية يعكِسُ إما تأخُّراً عن ركب المعرفة (كما هو الحال بالنّسبة للتوظيف والشركات) أو تعلُّقاً نفسيّاً بشيء يشعرُ الفرد أنّ نتيجةَ الاختبار تُبرِّرُه له أو تمنحُه إيّاه أو تُعفيهِ من تبعاتِه.

 

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة