“الأمان الوالديّ” .. ما هو؟ وما أهمّيتُه في التربية؟

“الأمان الوالديّ” .. ما هو؟ وما أهمّيتُه في التربية؟

الأمان الوالديّ Parental Security مفهومٌ أقترِحُه على القارئ، وذلك لقناعتي أنه يعالج فكرة مركزيّة في التربية. ومع أن بعض تفاصيل وجزئيات هذه الفكرة المركزية متناثرة في أدبيّات التربية، إلا أنها تفتقد لمفهوم يوحّدُها ويعطيها مكانتَها المحوريّة.

 

وما أعنيه ب”الأمان الوالديّ” هو: الحالة الذهنية والوجدانية والسلوكية التي يتمتع الوالد/ة عند تحقّقها بالانسِجام الآمِن المُطمئنّ مع دور الوالديّة، وبعيشِ دور الوالديّة بمزيجٍ متوازن من السّعادة والمسؤولية، ومن الثقة بالنفس والانفتاح على التعلّم، من دون أوهام الكمال التي تؤدّي إلى الإفراط أو الإهمال.

 

ومن هذا التعريف يُمكن أن نستنتج المكوّنات الأساسيّة للأمان الوالدي:

 

1- استقرار هوية الوالدية: 

فمن يتمتّع بالأمان الوالديّ لا يعيشُ أزمة هويّة مع دور الوالدية، بل يرى نفسه وهي تؤدي هذا الدّور نفساً مستقرّة stable مطمئنّة، وهذا يعني أنه لا يرى نفسه اليوم والِداً فاشلاً، وغداً والِداً خارِقا، ولا ترى نفسها والدة عظيمة لأنها نجحت في مساحة، ثم ترى نفسها والدة سيئة لأنها أخفقت في أخرى. من يتمتع بالأمان الوالدي يقتنع بأن نفسه هي هي، في نجاحاتها وفي إخفاقاتها، وفي لحظات تألقها وفي كبواتها. بلغة أخرى، لا يعيشُ الوالدية بصفتِها امتحاناً يوميّا، بل بصفتِها تجربة حياة ثريّة.

 

2- انسجام السّعادة والمسؤولية:

وهذا يُميّز العلاقات العظيمة بمختلف أنواعها، إذ يستطيعُ الإنسان فيها أن يعيش السّعادة والبِشر والسّرور في انسجام وتوازن مع المسؤولية والإتقان وتأدية التوقعات الأخلاقية والاجتماعية.

وفي حالة الوالدية تحديداً، يسعد الوالد/ة بوجود الأبناء، ويستبشرون بهم ويفرحون بهم ولهم، وفي الوقت نفسه، يستشعرون عظم الأمانة وحجم المسؤوليّة. بالتالي، لا تكون الوالدية عبئاً وهمّاً، ولا توقّعات نرجسيّة متمحورة حول الذات تجعل من إرضاء أو سعادة الوالدَين الهدف الوحيد لوجود الأبناء.

 

3- الشعورُ بأهميّة النفس:

فالأمان الوالدي يقتضي أن يشعر الوالد/ة بأهميته في حياة الأبناء، وأن يُقدّر ما يقومُ به من أجلهم، وأن يغلب على ظنه أنه والد/ة جيد ومسؤول ما لم يقصر تقصيرا جسيماً.

وهذا الشعور – اللهم إلا في حالات الوهم المرضيّ المخالف تماماً للواقع – مهمّ جدا للوالد/ة، فهو يقوده إلى الإيمان بقدرته على التقدّم والتطور كوالد/ة، ويزيد من كفاءته في التعامل مع تحديات التربية وصعوباتها، ويمنحه الشعور بالأصالة agency وبالفاعلية والتأثير، ويحميه من الوقوع ضحية لمشاعر العجز والتقاعس والعدميّة.

 

4- الإيمان بكثرة وتعقيد العوامل المؤثّرة في نشأة الأبناء:

فكما أن الوالد/ة المتمع بالأمان الوالدي يُدرك تماماً أهمّيتَه ومركزية دوره كما في النقطة السابقة، هو يدرك تماماً حدود هذا الدّور. فالأبناء بشرٌ مستقلّون، ولهم جيناتُهم التي لا يتحكّم الوالد/ة فيها، وسيؤثّر عليهم أصدقاؤهم ومعلّموهم وقدواتُهم وطبيعة جيلهم وقضايا عصرهم، وأنّ ما يستطيعُه الوالد/ة هو إعدادُهم للطريق على أفضل وجه ممكن، لا سيرُ الطّريق بكامله معهم، ولا تعبيدُ الطّريق تماماً لهم.

 

5- التأمّل:

فالوالد/ة المتمتّع بالأمان الوالدي يتأمل في دوره كوالد/ة، ويستطيع أن يخرجَ من نفسه لبعض الوقت ليفحص ويراجع ويقيّم ويقوّم، فهو يؤدّي دور الوالدية بعيون وآذان مفتوحة، فيُلاحظ قراراته ونتائجها، ويستجيبُ للمتغيرات، ويتعاطى مع النجاحات والإخفاقات متعلّماً في الحالتَين، ويتفوّق فضوله الذكي ورغبته في الفهم على نزوعه لإطلاق الأحكام.

 

6- تقبّل إمكانيّة الخطأ بلا دفاعية وبلا انهيار:

فالوالد/ة الذي يتمتع بالأمان الوالدي يعلم تماما أنه سيُخطئ، وحين يُخطئ، يتجنّب أن يقع في أحد ثلاثة أخطاء إضافية:
الأول: الدّفاعية، ورفض الاعتراف بالخطأ، والتمادي والمكابرة بدلاً من التأمل والتصحيح.

الثاني: الاندفاع المتهوّر في الاتجاه المقابل، ومحاولة التعويض المفرط، والتخلّي عن الأساسيات والثوابت من أجل التعويض عن خطأ عارض.
الثالث: الانهيار التام تحت وطأة الشعور بالفشل، وتداعي الثقة بالنفس، والشك المعطِّل في قدرة النفس على النهوض والمواصلة.

 

الوالد/ة الآمِن يُدرك أهمية الإصلاح بعد الخطأ، وجبر المسار إذا أصابه شرخ، دون دفاعية أو اندفاع أو انهيار.

 

7- تقبّل النّقد:

صحيحٌ أن نبرة الكثير مما يُكتَب ويُقال في التربية والوالدية منذ سنوات تتّسم بكثير من التّعالي والتخويف والفوقية والمثالية الزائفة، إلا أنّ بهذا بحدّ ذاته لا ينبغي له أن يمنعَنا من أن نقبل النقد الوجيه والتوجيه السّليم، والأمان الوالدي يعطينا المساحة لنقبل النّقد الحريص ونعتبرَه هديّة قيّمة، لا حُكماً قاسياً على أبنائنا أو علينا.

 

وبقي أن نختمَ بتنبيه مهمّ: الأمان الوالديّ، شأنه شأن أيّ فضيلة، هو مسعى ممتدّ ومسيرة مستمرّة، فهو ليست نقطةَ وُصول أو شيئاً نحوزُه تماماً أو ختماً بالوجودة سنحظى به، بل هو اجتهاد متواصل، ووتقدُّم وتعلُّم، ومن يبذُل الجهد ويُخلِصُ القصد يجدُ السّبيل.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة