الذّهب .. استثمار ذكيّ أم ألاعيب نفسيّة؟

الذّهب .. استثمار ذكيّ أم ألاعيب نفسيّة؟

 

يولَدُ العربيّ وينشأ وحولَه الكثيرُ من الإشارات التي تومئُ إلى أهمّية الذّهب، فالتهنئة الأمثَلُ بالمولود الجديد عبارةٌ عن قطعة ذهبيّة، وما إن تعيَ الفتاةُ على الدّنيا حتى تبدأ تتطلَّعُ إلى ما عندَ والدتِها من ذهب وتتمنّى مثلَه، والذّهب أساسيٌّ في إتمام عقد الزّواج، وتعتبِرُه الزّوجةُ – أوالزّوجانِ معاً – ذُخراً لمصاعبِ الحياةِ غيرِ المتوقَعة، ويعمَدُ البعضُ إلى تحويل جزءٍ من أموالِهم إلى قطع ذهبيّة عندما يتوفّرُ معهم بعضُ الفائض، وذلك مُحاوَلةً لحفظِ قيمةِ المال وربّما تجنّبِ استسهالِ إنفاقِه إذا ما بقيَ في شكلِ العملة السّائلة.

وفي اللغة اليوميّة، وصفُ أيّ شيء بأنّه “ذهب” يعني أصالتَه أو جمالَه أو سموّ قيمتِه، فالصّحّة ذهب، والأصدقاءُ الجيّدون ذهب، والفصيحُ كلامُه مثلَ الذّهب، وغير ذلك. وليست اللغة العربيّة بِدعاً في هذا، فسائرُ اللغات الكُبرى تستخدِمُ الاستعارةَ نفسَها.

ولمكانةِ الذّهب في الوعي الإنسانيّ جُذورٌ عميقةٌ للغاية، فقد اكتشَفَ الإنسان جمالَه ومقاومتَه للتغيُّر منذ آلاف السّنين، وأسبَغَ عليه قيمةً رمزيّةً باستِخدامِه للزّينة والسّلطة والأبّهة وكذلك في مدافن عليةِ القوم، ثمّ أصبحَ وسيطاً للتّبادُل وحفظ القيمة، ثمّ أصبح عملةً رسميّة. ويعلمُ القارئ عن هوس الأقدمين بالتنقيبِ عن الذّهب، ومحاولات تحويلِ المعادنِ الأخرى إلى ذهب، وفي بُلدان الشّام قصصٌ كثيرة محفوفةٌ بالرّمزيّة عن الذّهب الذي تركه الرومان والبيزنطيّون والإنجليز والعثمانيّون في المنطقة ومغامَراتِ العُثور عليه وما إلى ذلك.

لكن ثمّةَ تفاوُتٌ مهمّ بينَ الشّعوب في رمزيّةِ الذّهب، وهذه الرّمزيّة تنعكِسُ على القيمة الماليّة، ففي حين تبدو شُعوبُ جنوب شرق آسيا، مثل الهند وباكستان، الأكثرَ تعلُّقاً بالذّهب وحرصاً على اقتنائه، تبدو شُعوب أوروبا الغربيّة وأمريكا الشّماليّة الأقلّ تعلُّقاً به من نواحٍ رمزيّة وجماليّة ومعنويّة. لكنّ من الواضِح أنّ القيمَ الجماليّة والرّمزيّة والتّاريخيّة المرتبِطةَ بالذّهب تُرجِمت إلى قيمةٍ ماليّة واستثماريّة في جميعِ الثّقافات، رغمَ التّفاوتِ بينَها.

بلغةٍ أخرى، لا تكادُ تجِدُ في أيّ ثقافة تقييماً موضوعيّا للذّهب كاستثمارٍ مادّيّ، بل هُناكَ دائماً قيمةٌ مُضافة يُسبِغُها عليه ارتِباطُ البشر النّفسيّ والجماليّ والتّاريخيّ والدّيني بالذّهب.

ما أعطى للذّهب قيمتَه لدى البشر هو نُدرتُه ومُقاومتَه للتغيّرات وعدم إمكان صناعتِه في مختبر (من قبيل الصّدأ والتّلف وغيرِها). سوى ذلك، ليس للذّهب قيمةٌ جوهريّةٌ في ذاتِه، فما يمنحُه القيمة هو اتّفاقُ البشر على أن يجعَلوا له قيمة. هذا يصِحُّ أيضاً على العُملات الورقيّة والمعدنيّة، فما يمنحُها القيمة هو اتّفاقُ البشر -واضطرارُهم كذلك- لاعتبارِها ذات قيمة. بالتّالي، فليس للذهب ميزةٌ استثنائيّة في هذا السّياق، وما يَقولُه البعض من أنّ الذّهب هو المال الذي خلقَه الله في مقابل العملاتِ والأوراقِ النّقديّة التي صنعَها البشر ليس قولاً دقيقاً، فالله خلقَ كلّ شيء، والبشر همُ الذين أكسبوا الذّهبَ هذه المكانة.

صحيحٌ أن الحكومات لا تستطيع صنع الذهب من عدم، في حين أنها تطبع العملات الورقيّة. هذا صحيح. لكن في الواقع، كان يُمكنُ للبلاتين أن يكونَ بديلاً عن الذّهب، فهو أكثرُ مقاوَمةً للتغيّرات الطّبيعيّة، وأكثرُ ندرة، ولا يُصنَعُ من عدم. لكنّ عيبَه أن ليس مطواعاً مثل الذّهب لصنع المجوهرات وسكّ النّقود، كما أنّه لونَه أبيض قريب للفضّة، وهو بالتّالي لا يملِكُ لمَعان الذّهب ولونَه الذي يخطِفُ الأنظار.

ليسَ معنى كلامنا هُنا أنّ الذّهب لا قيمةَ له، فاتَفاقُ البشر، مهما كانت دوافعُ هذا الاتّفاق، على إعطاء قيمةٍ جماعيّةٍ لشيءٍ ما يجعلُ بالفِعل لهذا الشّيءِ قيمة، لكنّ ما نُحاوِلُه هنا هو تبيين الحُدود بين القيمةُ الماليّة والاستثمارية من جهة، وبين القيمة المعنويّةِ والرّمزية من جهة أخرى.

 

القيمة الماليّة للذّهب

جميعُ ما لدى البشر من الذّهب يبلُغُ تقريباً 208 آلاف من الأطنان. هذا لا يشمَلُ الذّهب الذي ما زال في باطنِ الأرض ولم يُستَخرَج بعد، لكنّ هذا الرقم يشمَلُ كُلَّ ما لدى الحكوماتِ والبنوك على وجه الأرض من سبائك، وكلُّ ما في محلّات الصّاغة والمجوهرات من حُليّ ومشغولات وقطع ذهبيّة، وكلّما استُخرِجَ من كنوز الفراعنة والآشوريّين والمايا والأزتك وغيرِهم من ذهب، وكلّ ما تلبسُه نِساءُ الأرض من ذهب. تخيّل أنّ كُلّ هذا الذّهب يُمكنُ تجميعُه في ملعب لكرة السّلة لأنّ ملعب كرة القدم أكبر ممّا نحتاجُه. ليتخيّلِ القارئُ أنّ جميعَ هذا الذّهب سيُشكّل مكعّباً لا يَزيدُ طولُ ضلعِه عن 23 متراً!

أمّا قيمةُ هذا الذهب  – نهاية عام 2025- فهي قريبة من 29 تريليون دولار. إذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ حجمَ النّاتِج القوميّ العالَميّ في العام نفسه في حدود 123 تريليونات دولار، فقيمةُ كلّ الذهب المكتَشَف في العالم تُعادلُ تقريباً 30 بالمئة من الناتج القوميّ العالمي في عام. من المهم التنبّه إلى أن سعر الذهب كان مرتفعاً بشكل استثنائي في نهاية 2025، وأنه انخفض بقدر مهم بعد هذه الأرقام.

 

يتحدّثُ كثيرون في اليوتيوب والبودكاستات المختلفة عن أنّ العملات الوطنيّة أصبحت بلا قيمة منذ أن فُصلت عن احتياطيّاتِ الذّهب التي يمتلكُها البنكُ المركزيّ، والأمرُ ليسَ بهذه البَساطة. ماذا لو أنّ هذا الارتِباطَ ما زالَ قائماً؟ هذا يعني ببساطة أنّ البنك يضمَنُ لك مُقابِلاً من الذّهب للأوراقِ النّقديّةِ التي بحوزتِك. لكن ما القيمةُ الفعليّة لذلك؟ أنه سيكون بمقدورك الذّهابُ للبنك إذا انهارَ الاقتِصاد الوطنيّ لتستلِمَ ذهَباً بدلاً من نُقودكَ الورقيّة؟

كما قُلنا، حجمُ الاقتِصادات يفوقُ ما في الكوكبِ من ذهب مُكتَشَف، ثُمّ إنّ الأمرَ إذا وصلَ إلى انهيارٍ تحتاجُ معَه لتحوّلَ نُقودَكَ إلى ذهب، فهذا معناهُ أنّ كلَّ شيءٍ قد انهار، بما في ذلك على الأغلب وظيفتُك والشّركةُ التي تعملُ بها والحُكومة وسلاسلُ التّزويدِ بالغذاء وكُلُّ ضروريّات الحياة، فما الذي ستُساعِدكُ فيه بِضعُ قطعٍ ذهبيّة في هذا السيناريو الكابوسيّ؟ هل ستذهب إلى البقّالةِ المُجاوِرة لتشتريَ الخبز والبيض بقطعة ذهبيّة؟ وكيف سيرُدُّ لك البقّال باقيَ قيمتِها؟

إذن، فكرةُ العودةِ للذّهب فِكرةٌ خياليّة قد تَجِدُ حالاتٍ نادِرة من السياسيّين أو الاقتِصاديّينَ الجادّين ممن يدعونَ إلى شكلٍ ما منها، لكنّ هذه الحالات نادِرةٌ جدّاً، وأكثرُ من يدعون لذلك مجموعةٌ من المهووسين والمؤمنين بمؤامَراتٍ خياليّة وسيناريوهاتٍ كارثيّة لن ينفعَ معها الذّهبُ ولا غيرُه إن وقعت.

 

القيمة الاستثماريّة للذّهب

لكن إذا تركنا نظريّات المؤامرة والسيناريوهات الكابوسيّة جانبا، يظلّ السؤال قائما: هل الذّهب استثمارٌ جيّد؟ بمعنى، هل هو وسيطٌ جيّدٌ لتنميةِ المال وتكثيرِه بما يتجاوزُ غاياتِ الزّينة والطّقوس الاجتماعيّة مثل الزّواج وغيره؟

هذا سؤالٌ في غايةِ الأهمّيّة، وأكثرُ من يُحاوِلونَ الإجابةَ عنه في السّياقِ العربيّ يغفَلون عن نقطةٍ مهمّةٍ جدّاً، وهي أنّ هذا السّؤال لا يُمكنِنا إجابتُه إجابةً صحيحة دون أن نُضيفَ إليه “مقارنةً بماذا؟”

وهذه قضيّةٌ جوهريّةٌ جدّاً، فجدوى أيّ استِثمار هي جدوى مُقارَنة، فأيُّ استثمارٍ يخطُرُ على البال إذا ما أردنا تقييمَه، فهذا التّقييمُ يتمُّ من خِلال مقارنتِه بالخياراتِ الأخرى المُتاحة، بما فيها خيارُ إبقاءِ المال نقداً كما هو.

وكُلُّ استثمار يُقيَّمُ من خِلال نقطَتين:
1- العائد المُحتمَل
2- المُخاطَرة المحتمَلة

بالتّالي، فحينَ نُقارِنُ الذّهبَ كاستثمار، فبماذا نقارنُه تحديداً؟

إذا كُنّا نُقارنُه بإبقاءِ المال نقداً كما هو، فالذّهبُ رابِحٌ بالتأكيد. كما قُلنا، تنخفِضُ قيمةُ العملاتِ الوطنيّة بشكلٍ طبيعيّ ومتوقّع بسببِ التضخُّم، وأحياناً تنخفِضُ بشكلٍ غير متوقّع بسبب الأزماتِ السياسيّة والاقتِصاديّة، وبالتّالي فالذّهبُ استِثمارٌ أفضل من إبقاء المال بالعملة المتداوَلة.

حسناً، ماذا لو كانَ الخِيارُ بين الذّهب، ووضعِ المالِ في حِسابِ توفيرٍ بفائدة؟

الجدولُ التّالي يُعطينا الجواب. هذا الجدول يعقِدُ مُقارنةً بين القيمةَ الحاليّة -عام 2025- للاستثمارِ في الذّهب مُقارنةً بالاستثمارِ في حسابِ توفيرٍ بفائدة. الجدولُ يُقارنُ بين شخصَين استثمَرَ أحدُهما 5000 دولار في الذّهب، والآخَر استثمرَ المبلغَ نفسَه في حسابِ توفير بعائدٍ قدرُه 3%. ولكي تتّضِحَ الفكرةُ جيّداً، فالجدول يعرِضُ القيمةَ الحاليةَ للاستثمار فيما لو كانت هذه التّجربةُ قد بدأت في بدايةِ كُلّ عَقد، بدءاً من عام 1950 وحتى 2020:

 

هذا الجدولُ يُظهِرُ لنا بوُضوحَ أنّ الذّهبَ يتفوّقُ على وضعِ المال في حسابِ توفيرٍ بفائدة. مثَلاً، لو أن هذين الشّخصين بدءا استثمارَهما عام 1970، فقيمة ال 5000 دولار التي استُثمِرت في الذّهب ذلك العام تُساوي اليوم 391,900 دولار (أقل من 400 ألف دولار بقليل)، أما من وضع المبلغ نفسه (5000 دولار) في حساب توفير بفائدةٍ قدرُها 3% في العامِ نفسه (1970)، فقيمةُ المالِ اليوم تُساوي 23,700 دولار (أقل من 24 ألف دولار بقليل). أي أنّ الاستثمارَ في الذهب أفضلُ ب 16 ضعفاً.

أمّا بخُصوصِ المُخاطَرة، فالذّهب وحساباتُ التّوفير كلاهُما من الاستثمارات قليلةِ المُخاطَرة، فالذّهب يُمكِنُ أن يُسرَق، أو أن يُضطَرَّ المرء لحفظِه في صُندوقِ أماناتٍ في البنك مُقابِلَ رُسوم، أمّا حِسابُ التّوفير فهو استثمارٌ آمِن إذا ما استثنينا “سيناريوهات نهاية العالَم” مثل انهيار الدّولة تماماً أو إفلاس البنك، وبعضُ الدّول تضمَنُ إيداعات المواطنين في البنوك إلى مبلغٍ معيّن حتّى لو انهار البنك. بالتّالي، يُمكنُنا اعتبارُ الاستثمارَينِ عُموماً قليلَي المُخاطَرة.

 

الذهب مقارنةً بالأسهم

يُستخدَم مؤشّر S&P 500 كمقياس شائع لأداء الأسهم خلال فترة طويلة، فهو مؤشر يعتمد على أداء أكبر 500 شركة متداولة في سوق الأسهم الأمريكية. تاريخيّاً، من يستثمر اعتماداً على هذا المؤشر لسنوات طويلة يحقق عائداً يتراوح من 7% إلى 10%.

الجدول التالي يقدّم لنا مقارنة بين العائد اليوم على 5000 دولار إذا ما استثمرناها في بداية كلّ عقد (بدءاً من 1950) في الذهب أو في شراء أسهم حسب مقياس S&P 500.

 

سنة البدء قيمة الاستثمار S&P 500 5000$ في 2026 (اسمي) قيمة الاستثمار بالذهب في 2026 (اسمي)

الفائز

1950 2,029,000$ 432,300$ S&P 500
1960 595,000$ 428,700$ S&P 500
1970 375,000$ 405,300$ الذهب
1980 255,000$ 25,410$ S&P 500
1990 104,500$ 38,370$ S&P 500
2000 23,000$ 54,960$ الذهب
2010 31,400$ 10,650$ S&P 500
2020 10,800$ 8,340$ S&P 500

 

وما يظهر لنا بوضوح هو أنّ الاستثمار في الأسهم حسب محفظة استثمارية ثابتة يحقق في الغالب عائداً أفضل من شراء ذهب بالمبلغ نفسه، والاعتماد على ارتفاع سعر الذّهب مع الوقت. 

بطبيعة الحال من المهمّ التأكيد أننا نتحدث عن محفظة استثمارية ثابتة، لا عن شراء أسهم متفرقة حسب الحسابات أو التوقعات أو الاجتهادات الشخصيّة. ومن المهم التأكيد على أنّ فرص الاستثمار في الأسهم في البلدان العربيّة ليست بالتوفر والوضوح والرقابة التي تحظى بها المحافظ الاستثمارية الثابتة في الولايات المتّحدة.

 

بالتّالي، في دول مستقرة وفيها سوق أسهم متاح للاستثمار حسب محافظ ثابتة ومراقبة، الأسهم تتفوّق على الذهب، والذهب يتفوّق على الادّخار بفائدة، وعلى إبقاء المال نقداً وخزنه.

 

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة