المرأة العاملة و صراع الهويّة في تجربة الأمومة الأولى

المرأة العاملة و صراع الهويّة في تجربة الأمومة الأولى

كثيراً ما تواجه المرأة العاملة أو المهنيّة سؤالاً صعباً حين تخوض تجربة الأمومة للمرّة الأولى، وكثيراً ما توصَفُ هذه الحالة بأنها “صراع هوية”، ويؤدّي السّءال في العادة إلى جملة من المواقف والاستنتاجات، وأحياناً الاستقطابات. فكيف يمكن أن تتعامل المرأة العاملة مع هذه الحالة؟

 

صراع في الهوية أم توسيع في الهوية؟

 

يمرّ الإنسان، ذكراً كان أم أنثى، بجملة من التحولات في الحياة، وهذه التحولات ترتبطُ بأدوراٍ إضافية على الشخص أن يتعامل معها، وأحياناً أن يعيد إنتاج ذاته ليتكيّف معها. ينتقل الإنسان من كونه طفلا إلى كونه طالباً، ثم تبدأ جملةٌ من الأدوار تُضاف إلى ذلك، فتتحوّل العلاقة مع الأبوين من تلقّي الرعاية إلى التكافؤ إلى تقديم الرعاية، كما تُضاف أدوار العمل والعلاقة الزوجيّة ورعاية الأبناء، فضلاً عن أدوار أخرى مثل دور المعلّم أو المدير أو المسؤول وغيرها.

 

وليس من الشائع أن توصف هذه التحوّلات بأنها “صراعات”، رغم أنها كثيراً ما تشتمل على أدوارٍ معقدة، بل تشتمل أحياناً على أدوار متعارضة تحتاج الكثير من الجهد والوقت والمرونة النفسية للتوفيق فيما بينها. فيما يكاد ينفرد التحدّي في الجمع بين الأمومة والعمل بوصفه “صراعاً”.

 

ومن الصحيح والمفهوم أنّ دور الأمومة متفرّد في الأثر العظيم الذي يخلقُه في المرأة، فمن الصعب على المرء أن يأتي بمثال شبيه في أثره. بالتالي، فمن السذاجة أن ينكرَ المرء إمكان دخول هذا الدور في “صراع” مع الأدوار الأخرى، مثل العمل. لكنّ بإمكاننا كذلك أن نشكّك في حتمية وضرورة حصول هذا ال”صراع”، وأن نبذل ما بوسعنا من تفكير وجهد لجعل الأمومة توسيعاً في الهوية، لا صراعاً.

 

بطبيعة الحال، ما نحتاجه يتجاوز مجرّد تغيير الألفاظ، لكنّ التصور الذهنيّ مهمّ للغاية، فمن تخوض هذه التجربة وهي مقتنعة سلَفاً بأنها ستدخل في “صراع”، ستجدُ نفسَها ترى كلَّ تحدٍّ أو صعوبة نوعاً من الإرهاق والاستنزاف والانشداد إلى اتّجاهات متعارضة لا توفيقَ بينها، لكنّ من تدخلُ هذه التجربة وهي تراها توسيعاً لهويتها، فبإمكانِها أن ترى التحدّيات نفسها في ضوءٍ مختلف.

 

التجربة أصدق من التصوّرات المسبَقة

من المهمّ لمن تخوضُ هذه التجربة أن تدخلَها بأصالة وفُضول وتأمّل وانفتاحٍ على الاحتمالات، أكثر من كونها تدخلُها بتصوّرات مسبَقة تنتظِرُ أن تتحقق. كثيراً ما تفاجئنا التجارب، وكثيراً ما نجدُ أننا ضيعنا الكثير من الوقت والبال ونحن نعيش مخاوف غيرنا وننتظر أن نكرّر تجاربهم. من المؤكّد أنّ المرأة ستخوضُ تحدّياً، ومن المؤكّد أنه لن يكون نزهة، لكنّ هناك الكثير من الأفكار والمشاعر وطرق التعامل، وإفساحُ المجال لتجربتنا الخاصة لكي تتكشّف ونحن نعيشُها ونتعاملُ معها أجدى من خوض التجربة وكأننا نؤدّي دوراً في فيلم مُسبَق التأليف.

 

الاستماع للصوت الداخلي، الحدّ من الضّجيج

 

أكثرُ ما يتعلّقُ بالمرأة وشؤونها في المجتمع يُصبح مادة للجدل والسّجال، ثقافيا وإيديولوجيّا واجتِماعيّا. هذا كلُّه لا مناصَ من بعضِه، وبعضُه مهمّ وصحّي ومطلوب، لكنّ بعضَه مشحونٌ ومُغرِض، ويتحوّلُ إلى استقطابات وصراعات تنفصِلُ عن تجربة المرأة نفسِها، وتُصبِح توكيدأ للانحيازات واجتراراً لمقولاتٍ مجرّدة تُغفل التجربة الحقيقية اليوميّة.

بالتّالي، قد تجِدُ المرأة نفسَها ضمنَ دوّامةٍ من الصراعات والاستقطابات التي تستنزِفُها، بل تُلغيها، وتجعلُ من تجربتِها هي، ومن علاقتِها المقدّسة بأمومتها وطفلها وعائلتِها صدى لضجيجٍ خارجي، وتصارُخِ أعداءٍ وخصوم حقيقيّن ومتوهّمين، بدلاً من أن تكونَ تجربتَها هي، وأن تؤدّيَ لخُلاصاتِها هي.

 

صوتُ المرأة الأصيل هو الأساس في هذا النقاش المجتمعيّ، وجزءٌ أساسيّ من تشكّله أن تعيشَ المرأةُ هذه التجربة متحرّرة بالقدر الممكن من ساحةِ صراعٍ حدّدَ كلُّ من فيها مواقفَهم سلفَاً.

 

الدّعم الاجتماعيّ: ضرورته وضرورة طلبِه

كثيراً تقعُ المرأة العاملة حين تخوضُ أمومتَها الأولى في حالتَين متطرّفتين. في الأولى، تشعرُ أن عليها أن تقومَ بكلّ متطلبات أمومتها وعملها معاً دون أيّ دعم اجتماعي إلا للضرورة القصوى، وأن كل ما دون ذلك يعني أنها ليست كفئاً للدورين. في الثانية، تشعر أنّ على محيطها الاجتماعي أن يفهم تماماً ما تحتاجه، وأن يبادر بكلّ المساعدة والدعم دون أن تطلب، وأن كلّ ما دون ذلك يعني أن محيطَها خذلها ولم يفهم صعوبة التحدّي.

وكلا التطرّفين ضارّ ولا يُجدي، فالمرأة بحاجة لدعم في هذه التجربة، مهما كانت قويّة ومقتدرة، كما أنّ عليها أن تطلبَ الدّعم من محيطِها، بل وتتفاوض بشأنه. من المهم للمرأة أن تجعل حاجاتها واضحة ومفهومة، لزوجها وعائلتِها واصدقائها وعملها وغير ذلك، وأن تحدّد ما تستطيعُه وحدَها وما تستطيعُه بدعم ومساندة وما لا تستطيعُه مطلَقا، وألا تترك الأمر مُضمَراً أو تتوقّعَ أنه مفهوم بالبداهة.

 

تنويع مصادر القيمة

من المهمّ لنا كبشر ألا نجعل قيمتَنا أمام أنفسِنا مرهونة بأحد أدوارنا الاجتماعية، فنحن مفطورون على التنوّع والتعدّد، وأدوارنا المختلفة ينطوي كلّ منها إمكانات وتحدّيات، نأخذ من هذا ونعطي ذاك، ويُشعرنا هذا الدّور بالتحقّق والكفاءة فيعوّضُ شعورَنا المؤقّت بالنقص في غيره، ونميلُ على الدور المطمئنّ ليسندَنا ونحنُ نتعاملُ مع الدّور القلق.

بالتالي، من الحكمة ألا نرهنَ أنفسَنا لدورٍ واحد، وألا نتطرّف في تقييمِنا للأدوار إفراطاً أو تفريطاً، وأن نسعى للتوازن والتكامل، بدلاً من التطرّف والتضادّ.

 

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة