رمضان والصّحّة النفسيّة

رمضان والصّحّة النفسيّة

يتساءل كثيرون عن رمضان وأثرِه على الصّحّة النفسيّة، وعن أفضل ما يمكن فعلُه من أجل الاستفادة من الشّهر في الخير على مختلف النواحي، ومنها الصّحة النفسيّة.

 

ولكي نتناول هذا الموضوع بطريقة عمليّة، فمن المنطقيّ أن نضع أمامنا العوامل التي تفيدُ الصّحة النفسية، ونرى كيف نستثمِرُ رمضان لتطويرها.

 

1- الروحانيّة:

وهذه النقطةُ الأكثرُ وضوحاً، فرمضان فرصة روحانية للمؤمنين للعبادة والذكر والصفاء والتأمل.

ومما يُساعد على الاستفادة الأمثل أن يمزج المرء بين ما هو متاح ومتيسّر ومريح، وبين المجاهَدة وترويض النفس. قد تكونُ الركعات الثماني أصفى وأيسر وأكثرَ مستراحاً للروح، والعشرون ميداناً للمجاهدة والترويض وبذل المشقّة، وكلاهما له مجالُه ونفعُه نفسيّاً. الإفراطُ في اليسير قد يحرِمُ من فرصةِ المجاهدة، والإفراطُ في المُجاهَدة قد يجعلُ فرطَ المشقّة يطغى على انتفاع الروح.

 

2- العلاقات:

فرمضان شهرُ التواصل والتصافي والتسامُح، ومن المهمّ أن تتغلّبَ الرغبة في التواصل الإنساني الصادق والداعم على البهرجات الاجتماعية والتكلّف في الولائم والمناسبات، وأن يكونَ لقاءُ الناس سببا للسكينة والاستبشار بدلاً من أن يكون توتّراً وضغطاً وعبئاً.

 

3- الإيثار: فعل الخير تجاه الأخَرين من أفضل ما يُحسّن الصّحة النفسية، ورمضان ميدان واسع لفعل الخير تجاه الآخرين بأشكاله المختلفة، المادية والمعنوية.

 

4- الامتنان: من أهمّ المعاني الروحية في رمضان استشعار ما لدى الإنسان من نِعَم والحمدُ والشّكرُ عليها، واستشعارُ آثارها الإيجابيّة عليه في حياته، وهذا هو جوهر الامتنان.

 

5- التفكّر Meditation والحضور الذّهنيّ Mindfulness: فالإنسان في رمضان أكثرُ تحكّماً في نفسِه وأكثرُ شعوراً بامتِلاك زمامِها، كما أنّ ذهنَه أميَلُ للصّفاء والسكينة، وهو بالتّالي في وضع ذهنيّ يُتيحُ التدرّب على مهارات التفكّر والحضور الذهنيّ.

 

6- التغذية: رمضان فرصة لتحسين العلاقة مع الطّعام، ففيه يكتشِفُ الإنسان أنّه يحتاجُ إلى أقلّ مما يأكلُه عادة، وأنّ تناول وجبة واحدة أو اثنتين أمرٌ في المتناول ويُمكن الاعتيادُ عليه مع شيء من الصّبر والتحمّل في الأيام الأولى. بالتّالي، بإمكان الإنسان أن يستثمرَ رمضان في إصلاح هذه العلاقة.

ومن أهمّ العادات الغذائيّة الجيدة التي يُمكن للمرء أن يرى أثرَها المباشر في رمضان:

  • أهمّية البروتينات في الشّعور بالشّبع: فتناول كميّة كافية منها في السّحور يؤكّدُ للمرء قدرتَها الفعلية على زيادة الشعور بالشّبع، فضلاً عن فائدتها الأساسيّة.
  • أهميّة الألياف: فهي كذلك تُشعِرُ بالشبع من خلال ملء حيّز المعدة، كما أنّها تُساعِدُ في انتظام الإخراج، خصوصاً بغياب القهوة عند من اعتادوا عليها.
  • أفضليّة الكاربوهيدرات المعقّدة على البسيطة: فمع التركيز أساساً على البروتينات، تُضيفُ الكاربوهيدرات المعقدة باعتدال (مثل الموجودة في الأرز وخبز الحبوب الكاملة والبطاطا) مصدراً للطاقة والشبع من دون الحاجة لكمّيات كبيرة كما في السكريات البسيطة (كلّ ما فيه سكّر أبيض مثل المشروبات المحلّاة والعصائر والحلويات)، كما أن الكاربوهيدرات المعقّدة تُمتصّ ببطء أكبر من البسيطة، ولا تؤدّي بالتالي إلى ما تسبّبه البسيطة من شعورٍ سريع بالتخمة والخمول يعقبُه شعورٌ سريع بالجوع، نتيجة الصعود والهبوط السريعَين للسكّر. (هامش: هذا أمر يُلاحظه الجميع في أجسامهم، ولا أحد -من غير المصابين بالسكريّ أو من وصف طبيبهم الخاصّ لهم ذلك- يحتاجُ إلى أيّ أجهزة لمراقبة السكّر، فهذا من أنواع الهوس التي يستغلُّها كثيرون لبيع أجهزة ومقاييس ومحتوى إلكترونيّ يضخّم من هذا الأمر، وهذه كُلُّها لا داعي لها ولا جدوى من إنفاق المال والوقت عليها). 
  • التقليل من الكاربوهيدرات في الصّباح (مثل السحور)، خصوصاً البسيطة منها (العصائر والحلويات والكعك)، والاعتماد أساساً على البروتين، وقليل من الدّهون للطاقة إن لزم.
  • القدرة على حذف وجبة على الأقلّ في اليوم، فنظام الوجبات الثّلاث ليس ضرورة إنسانية، فوجبتان أو حتى واحدة تكفيان للبعض. المهمّ ألا تتجاوز كميّة السّعرات الحرارية حاجة الإنسان اليوميّة، ثم بإمكانه توزيع هذه الكميّة كيفما شاء، وإذا كان حذف وجبة أو اثنتين في اليوم يُساعده على عدم تجاوز السّعرات الكلية اليومية، فمن المفيد له فعل ذلك.

 

7- الرياضة: باستثناء من يُعانون من أمراض محدّدة وظروف صحية خاصّة، الرياضة مناسبة تماماً لرمضان، بل هو فرصة لترسيخِها. فالإنسان فيه مهيّأ لإعادة رسم علاقته مع عزيمتِه وإرادتِه وعاداتِه وجسدِه، وهو بالتّالي مهيّأٌ لبذل الجهد ومغالبة ميل النفس للدعة والراحة. الرياضة قبل الإفطار بقليل مناسبة جدّاً لأنّ تعويض السوائل والأملاح electrolytes يحدُثُ بعدَها بفترةٍ قصيرة، كما أن توقّعَ الإفطار القريب يقوّي من قدرة المرء على بذل الجهد البدنيّ.

 

8- النّوم: كثيراً ما يختلّ النوم في رمضان، خصوصا عندما يكونُ نهارُه طويلاً. مما يُساعد على المحافظة على النوم أن يلتزم المرء إما بنمط نومِه السابق على رمضان، أو أن يلتزم بنمط جديد في رمضان على الأقلّ، لكن من المرهق للجسم أن يتنقّل الإنسان بين الأنماط باستمرار، فهذا يُربك النوم ودورة الجسم اليومية وإفراز الهرمونات وعمليات الهضم والأيض وغيرها.

 

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة