تحدّثنا في المقال السّابق عن إمكانيّة أن تكشف الوالديّة عن آثار للتجارب السّلبيّة والتروما التي عاشها الوالدان في الطفولة، وعن الأشكال والأنماط التي تظهرُ بها هذه التروما في تجربة الأمومة والأبوّة.
في هذا المقال نقدّم خطوات عمليّة للأمّهات والآباء الذي يشعرون أن التجاربَ المؤلِمة في حياتِهم تؤثّر سلباً على علاقتِهم بأبنائهم وعلى تفاعلهم مع تجربة الوالديّة عموما:
1- الإقرار بوجود مشكلة وبضرورة التغيير نحو الأفضل. هذه وضعيّة دقيقة، فالوالد/ة هو نفسُه بحاجة للتعامل مع ألمه وتجربتِه الماضية، وهو كذلك في موقع الأمانة والمسؤوليّة، لأنّ علينا أن نُصلِح نزعاتِنا وسلوكيّاتِنا التي يمكن أن تعودُ بالضّرر على أبنائنا. بالتّالي، ممّا يساعدُ الوالد/ة أن يرى التكامل بين مسؤوليّته تجاه نفسِه وتجاه أبنائه، فكلّ تحسن في العلاقة بالنفس يفيد الأبناء، وكلّ تحسّن في العلاقة بالأبناء يفيد النفس.
2- مُلاحظة المواقف والأحداث والسياقات التي تؤدّي إلى شرخ في التعامل السّليم مع الأبناء، ومحاولة فهم ما يكمُنُ خلفَ هذه المواقف بالذّات، من أجل التعاملِ معها بشكلٍ أفضل. مثَلاً، إذا لاحظ الوالد/ة أنه يفقدُ أعصابَه كلّما بدا من الطّفل هشاشة وجدانيّة أو تعبير عن الضّعف والاحتياج، فقد يكونُ هذا بسبب تعرّض الوالد/ة للنّهر والزّجر كلما أبدى ذلك في طفولتِه. بملاحظةِ هذا النمط، يُمكِنُ التّعاملُ مع هذه المواقف بطريقة أفضل، لأنّ الوالد/ة أصبح واعياً بها، وبالتّالي تصبحُ ردّة الفعل المنفلِتة أقلّ احتمالاً.
3- بناء مهارات “تنظيم الانفعال Emotion Regulation” عند الوالد/ة، مثل التجذير وملاحظة استجابات الجسم الفسيولوجية، وفهم العلاقة بين الانفعال والأفكار والسّلوكيات، وبناء أنماطٍ فعّالية لتغيير الأنماط الاستجابات غير الصّحيّة، وغيرها.
4- محبّة النّفس والترفّق بها: فالوالد/ة في كثيرٍ من هذه الحالات لم يختاروا طريقةَ تصرّفهم عن وعي، بل تغلغلت فيهم ببطء وبطرق عميقة ومعقّدة. محبّة النّفس والرفق بها تفتحُ بابَ تغييرها للأفضل، أما الاستمرار في تقريع النّفس وتوبيخها فيؤدّي إما إلى القبول بالعجز أو إلى العناد والدّفاعية.
5- محبةُ أبنائنا: فالحبّ الصادقُ يصل، ويهذِّبُ النتوءات ويمهّد الطرقَ الخشِنة ويفتَحُ المجال لتناغم الوجدان مع أبنائنا، فيهونُ التعاملُ مع العثرات والهفوات والأخطاء.
6- القناعةُ بأنّ آلامَنا يُمكنُ أن تتحوّلَ إلى طاقةٍ للنموّ، فتروما الطّفولة وتجاربُها السّلبيّة التي مرّ الوالد/ة بها ليست نهاية المطاف وتبعاتُها ليست قدَراً لا مفرّ منه، بل التعافي منها وتحويلُها إلى طاقةٍ دافِعةٍ للنموّ والتجاوز والسّواء أمرٌ ممكنٌ جدّاً.
7- البدء في تشكيل ملامح الوالديّة الجديدة، بالتعلّم من التّجربة وبالقراءة والاطّلاع والدّورات التخصّصية عند الموثوقين. وفي هذا المسعى، علينا أن نقبلَ أنّنا لسنا كامِلين، فالتربيةُ من أعمق وأثرى مسارات الحياة، ومن يطمَحُ إلى ألا يُخطئَ في التربية لا يختلِفُ عمّن يطمَحُ إلى ألا يُخطِئَ في الحياة نفسِها. المهمّ أن نتعلّم ونُقوّم ونتطوّر.
8- اللعب مع الأطفال، فاللعب يُحفّز التناغمَ الوجدانيّ ويبني العلاقة مع الطّفل بجهد معقول، كما أنّه في المتناوَل ولا يحتاجُ تحضيراً كبيراً أو أفكاراً عميقة أو استعداداً شعوريّاً معقّداً.
9- طلب وتعزيز الدّعم الاجتماعي، من الزّوج/ة خصوصاً، ومن الدائرة الاجتماعية الأقرب فالأقرب، وبناء العلاقات المتينة التي تدعمُنا وجدانيّاً وتقوّمنا ذهنيّاً.
10- العلاج النّفسي، فهذا ضروريّ في الحالات التي يكون الوالد/ة فيها يُعاني من عوارض واضحة للتروما، وفي الحالات التي تبدو فيها آثار التروما على الوالديّة (التكرار والتعويض والتجنّب) على قدرٍ عالٍ من المقاومة والممانعة للتغيير بالجهد الذّاتي والاجتماعيّ وحدَهُما.


