كيف نتعامل مع الأكل العاطفي؟

كيف نتعامل مع الأكل العاطفي؟

الأكل العاطفي Emotional Eating هو الأكل بدافع التخفيف من المشاعر السّلبيّة، كالغضب والحزن والغيرة والإهانة وغيرها، لا بدافع الاستمتاع والحصول على القيمة الغذائيّة.

 

والتعامل مع الأكل العاطفيّ عمليّة مركّبة ومتعدّدة الوجوه، وفيما يلي نتناولها من جوانبِها المختلِفة.

 

إعادة تعريف المشكلة

 

الخطأ الأكبر في التعامل مع مشكلة الأكل العاطفيّ، عند من يعانون منها وعند بعض من يتحدّثون عنها ويعالجونها، هو الانطلاق في التّعامل معها من منطلق الإرادة والعزم. والواقع هو أنّ تقوية الإرادة والعزم أمرٌ يحصل في سياق التعامل مع هذه الظاهرة أكثرَ من كونه منطلَقاً لحلّها.

الأكل العاطفي في الأساس سلوكٌ تكيُّفيّ ضارّ maladaptive behavior، أي أنه سلوكٌ يحاول من خلاله الإنسان أن يتعاملَ مع مشكلة، لكنّ تعاملَه معها ضارٌّ أو غير مفيد على الأقلّ.

المشكلة هي المشاعر السّلبيّة، والحلّ هو تطوير سلوكيّات تكيّفيّة مُفيدة ومنتِجة. وهذه العمليّة تستغرِقُ وقتاً ودأباً، لكنّ نتائجَها على المدى الطّويل تستحقّ العناء. 

 

هذه العمليّة تتكوّن من ثلاثة أجزاء أساسيّة:

1- تطوير البصيرة insight بوجود المشاعر السّلبيّة، ونعني بهذا أن يطوّر الإنسان قدرتَه على فهم عالمِه الداخليّ وتعريف المشاعر والانفعالات التي يمرّ بها، فكثيراً ما يندفع الإنسان في السلوكيات التكيّفيّة الضارة، مثل الأكل المفرط أو الإنفاق المفرط أو الضرب، دون أن يعرف أو يعترف أنه يقوم بذلك محاولةً لتهدئة شعور سلبيّ، بل يُبرّر هذه السلوكيات باعتبارها تدليلاً للنفس أو تأديباً مشروعاً لمن حوله أو مجرد سلوك عادي لا علاقة له بالمشاعر السّلبيّة. قدرة الإنسان على أن يلاحظ ثمّ يعترف بمشاعره السّلبية خطوة أساسيّة للتصرّف تجاهها بطريقة أفضل. حين يقول الإنسان لنفسه “أنا أشعر بالإهانة تجاه ما حصل في العمل” أو “أنا أشعر بالغيرة من صديقي” أو “أنا غاضبة من زوجي”، فهذا يضعُ الإنسان في موقعٍ أعلى من مشاعره وانفعالاته، ويعطيه الفرصة ليحكمَها بدلاً من أن تحكمَه.

 

2- ملاحظة الأفكار التي تولّدُها هذه المشاعر السّلبيّة، فالمشاعر تنتِجُ الأفكار كما يُنتِجُ الوقود دورانَ العجلات، وكثيراً ما تكونُ هذه الأفكار تعميميّة، مُفرِطةً في المبالَغة، وتدورُ حولَ نفسِها دون مآلٍ مُنتِج.

مثَلا، كثيراً ما يؤدّي موقِفٌ مُحرِجٌ أو مُهينٌ اجتماعيّاً إلى أفكار من قبيل “أنا لا أصلح لشيء” أو “لن ينسى أحد ما حصل” أو “لن يحترمَني أحد بعد الآن”. وفي الأغلب الأعمّ لا تصمِدُ هذه الأفكار أما اختبار الحقيقة، فهي مبالغات مفرطة وتعميماتٌ قصوى.

وإذا استطاعَ الإنسان ملاحظةَ هذه الأفكار والتنبّه لمدى إسرافها في الكارثيّة والتعميم والمبالغة، فإنه سيستطيعُ التقليل من تأثيرِها عليه وعلى سلوكه، وسيستطيعُ كبحَها دون أن تتطوّر إلى دوامات وحلقات مفرَغة.

 

3- بناء سلوكيّات تكيّفيّة مفيدة، فإذا طوّر الإنسان قدرتَه على ملاحظة وتعريف انفعالاته ومشاعره السّلبية، واستطاع التنبّه إلى الأفكار التعميميّة القصوى التي تنتج عنها وطوّر بالتالي قدرتَه على كبحها، يُصبِحُ بمقدورِه أن يُنشئَ هو سلوكاً تكيّفيّا مُفيداً.

وهناك الكثير من السّلوكيّات التكيّفيّة المفيدة، بعضُها اجتماعيّة مثل الحديث مع من يحرصون عليه ويهتمّون لأمره، والوجود بصحبة الناس حتى ولو لم يشاركهم ما يشعر به، وبعضها ذهنيّة-نفسيّة مثل العبادة والتفكّر meditation، وبعضها حسّية مثل الرياضة والحمّام البارد أو الساخن، والسلوك التكيّفي يكون أفضل كلما شمل أكثر من مستوى، مثل ممارسة الرياضة مع مجموعة من الأصدقاء، فهذا نشاط اجتماعي وحسّي في الوقت نفسه.

 

تصحيح تصوّرنا عن الطّعام الغنيّ بالكاربوهيدرات

 

في الأغلب الأعمّ، يرتبط الأكل العاطفيّ بالطّعام الغنيّ بالكربوهيدرات، مثل السكريّات والحلويّات والمخبوزات والمقليّات. هذه الأطعمة كثيفة في محتوى الكالوري بالفعل، ومن المهمّ ضبطُ كمّيتِها في الطّعام عموماً.

 

لكنّ هذه الأطعمة للأسف صارت ترتبطُ في مخيّلتنا بالحالات المزاجيّة المتطرّفة، سلبيّة كانت أو إيجابيّة، فنحن صرنا نتخيّل أنّ هناك حالتَين ترتبطُ بهما هذه الأطعمة: 

  •  حالة مزاجيّة إيجابية جدّا: مثل الاحتفال والفرحٍ غير المنضبط في الأعياد والمناسبات، أو عند رغبتنا في أن “نكافئ أنفسنا” بعد إنجاز كبير أو يوم عمل مرهق.
  • حالة مزاجيّة سلبيّة جدّاً: مثل التوتّر والانفعال والحزن والغضب.

 

ومن هنا نفهم لماذا يُسمّى الأكل الغنيّ بالكربوهيدرات ب “طعام الطبطبة Comfort Food”، أي الطّعام الذي نأكلُه ونحنُ في مزاجٍ احتفاليّ يستحقّ المكافأة أو في مزاج متدنٍّ لكي نخفّف عن أنفسنا. ومن هنا نفهم لماذا تتحوّل الحلويّات والشوكولاة إلى مكافأة للأطفال بعد إنجاز ما.

 

ستكون علاقة الإنسان مع الطّعام أفضل لو لم نُعطِ للأطعمة الغنيّة بالكربوهيدرات هذه الوضعيّة الخاصّة، بجعلِها ممنوعةً ومرغوبةً، خطيئةً ومكافأة، في الوقت نفسه.

 

كيف نفعلُ ذلك؟ بتقييم هذه الأطعمة باتّزان، بعيداً عن المبالغة في شيطنتِها أو التّوق إليها. كمية الكالوري متقاربة في قطعة تشيز كيك و في 100 غرام من الفستق الحلبيّ، بالتّالي، من يتابع كمية الكالوري التي يتناولها، بإمكانه أن يأكل قطعة تشيز كيك في يوم عاديّ، لا لأنّه متوتّر وحزين، ولا لأنّه أبدع في العمل ويستحقّ مكافأة، بل فقط لأنه اشتهاها، على أن يُحافظ على التزامه بكميّة الكالوري عموماً.

 

بهذه الطّريقة، لا تعود الأطعمة السكرية أو الغنية بالكاربوهيدرات شيئاً محفوفاً بالخوف والرغبة، بل طعاماً عاديّاً، نقلّل منه عموماً، ونأكله إذا اشتهيناه دون أن نُخِلّ ببرنامجنا الغذائيّ، ونلغي هذا الرّبط الذهنيّ بينه وبين الانفلات والخروج عن السّيطرة وفقدان الأعصاب وتدليل النّفس وتنفيس الغضب واستحقاق المكافأة.

 

وفي المقال المقبل، نواصل الحديث عن آليّات التعامل مع الأكل العاطفيّ.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة