لماذا تلقى الخرافات المتعلّقة بالصحة رواجا هائلاً؟

لماذا تلقى الخرافات المتعلّقة بالصحة رواجا هائلاً؟

لو أراد أحدُهم أن يتتبّع الموضوعات الأكثر انتشاراً في الفضاء الالكتروني والسوشال ميديا خصوصا، فستكون قضايا الصّحة وال “Wellness” في مكان متقدّم. النّسبة الكبرى من المحتوى المتعلّق بالصّحة عبارةٌ عن خرافات لا أصلَ لها، أو قضايا لها بعض الأصل العلميّ لكنّها مضخّمة للغاية أو مُضافٌ إليها الكثير من التّهويل والإثارة أو تنطبِقُ على عددٍ محدودٍ جدّاً من النّاس لكنّها تُقدّم باعتبارها من ضروريّات الحياة للجميع.

 

دوافعُ من ينشُرون هذه الخرافات بحاجة إلى حديث مستقلّ، لكن لماذا تجِدُ هذا الرّواجَ الكبير عند الجمهور ومن يتقبّلون هذا المحتوى؟ هذا ما نحاولُ استعراضَه في هذا الحديث.

  • حاجة البشر لما يتجاوز العقلانيّ والمنطقيّ

في البشر مكوّن عقلاني منطقيّ بلا شكّ، لكنّ هذا المكوّن واحدٌ من مكوّنات كثيرة، فهناك المكوّن الوجدانيّ، وهناك المكوّن الأخلاقيّ، وغيرها. يظلّ لدى البشر تجاوبٌ وأحيانا احتياج إلى مكوّنات تتجاوزُ ما هو عقلاني ومنطقيّ. لا نقصدُ بذلك ما يُخالف أو يُناقض العقلَ والمنطق، بل ما يقعُ خارجَ دائرةِ ما يستطيعُ العقل تفهُّمَه تماماً وما يستطيعُ المنطقُ إثباتَه أو دحضَه.

بل نذهبُ خطوةً أكبرَ ونقول إنّ ما يُحرّكُ البشرَ بشكلٍ أساسيّ ليس حجاجاتٍ عقلانيّة منطقيّة، بل ما يُحرّكُهم هو اختياراتُهم الوجوديّة العميقة، ومنظوماتُهم الأخلاقيّة، وسرديّاتُهم الكبرى والصّغرى، والحكايا التي يروونَها عن أنفسِهم ويُريدون أن تُروى عنهم.

والصحة والمرض تمسُّ أحياناً جوهرَ وُجودِ الإنسان، فهي قد تغيِّرُ جذريّاً في حياتِه وحياةِ من يُحبّ، وقد يشعُرُ الإنسانُ أنّه بحاجةِ إلى ما يتجاوزُ مفاهيم الجينات وعوامل الإصابة وتحليلات الدم وصور الأشعّة ليستوعبَ هذه القضايا التي قد تُؤثِّرُ في حياتِه جذريّاً.

وحين يتعلَّقُ الأمرُ بالصحّة النفسيّة تحديداً، وارتباطاتِها بما هو وجدانيّ واجتماعيّ وروحيّ، فحاجةُ بعضِ البشر لما يتجاوزُ العقلانيّ والمنطقيّ في فهمِها وتفسيرِها تُصبِحُ أكثرَ إلحاحاً.

  • الجفافُ الرّوحيّ العام

تبعاً للنّقطةِ السّابِقة، يحتاجُ البشر -بتفاوت بينَهم- إلى ما يُغذّي الجوانبَ التي تتجاوزُ ما هو مادّيّ، وهذا الحيّز تملؤُه التّجارب الدّينيّة والروحيّةُ والوجدانيّةُ المختلِفة. كلّما ضعُفت المكوّناتُ الرّوحيّةُ الكبيرة في المجتمع وعلى رأسِها التديُّن الجماعيّ، تولَدُ الحاجةُ لأنماطٍ روحانيّة أصغرَ نِطاقاً، يُسمّيها الدكتور عبد الوهّاب المسيري “روحانيات علمانيّة”، وفي هذا الإطار تولَدُ مقولات الطّاقة وما يُشبِهُها، وينشَطُ استيرادُ مقولاتٍ ومفاهيم متنوّعة من التعاليم المشرقيّة المرتبِطة بالهند والصّين، وإن كانت في كثيرٍ من الأحيان تصِلُ منزوعةً حتّى من سياقِها ذاك، وتأخُذُ طابَعاً كاريكاتوريّا سطحيّاً.

  • براعة الطّبّ الحديث في التّحليل، وقُصورُه في التركيب

العلم الحديث، والطبّ جزءٌ منه، بارِعٌ جدّاً في تفكيك ظاهرة الصحّة والمرض إلى العواملِ التي تُشكِّلُها، فالجسم ينقسِمُ إلى أجهزةٍ وأعضاء، والوظائفُ تنقسِمُ إلى خطوات صغيرةٍ دقيقة، والمرضُ يُفكّكُ إلى عوامل الإصابة، وتُدرَسُ نسبُ كلّ واحِدةٍ منها، أي أنّ الطب الحديث يُشرِّحُ موضوعَ الصّحة والمرض تشريحاً دقيقاً وطويلاً ومُضنِياً، ويُبدِعُ في وصفِ وتحديدِ العلاقة الوظيفيّة والنسب الرياضيّة التي تربِط هذه المكوّنات ببعضِها. هذا كُلُّه هو ما حقّقَ للطبّ الحديث إنجازاتِه الباهرة، في التشخيص والوصف والعلاج والوقاية. لو بقي الطّبُّ يُردّد مقولاتٍ من قبيل أن الجسمَ وحدةٌ واحدة، أو أن مكوّناتِ الإنسان متكامِلة لا تنفصِل، لما كانَ هناكَ طبٌّ حديثٌ أصلاً، ولبقي مرضى السّرطان يموتونَ والكهنة يُلقونَ عليهم التعاويذ.

 

لكنّ الطّبّ الحديث لا يعتبِرُ بعضَ القضايا الأساسيّة من صميم اختِصاصِه، مثلَ تجربةِ المرض وأثرِها على الإنسان ككلّ، وتفاعل تجربةِ المرض مع مكوّنات الإنسان الأخرى، ودورِ الإجراءاتِ غير الطّبيّة في التعامل مع تجربة المرضِ القاسية. لا يُعادي الطّبُّ هذه القضايا، لكنّه يعتبِرُها على هامشِه أو خارجَ نطاقِه، وهذا يترُكُ المجالَ واسِعاً لكثيرٍ من الخرافات التي تملأُ هذا الحيّزَ الخالي.

  • تركيز الطبّ الحديث على العلاج على حسابِ الوقاية

لا يُمكِنُ للطبّ أن يفعلَ كلّ شيء، وعلاجُ الأمراض عندما تقعُ أمرٌ صعبٌ بما يكفي. لكنّ من النقد الوجيه للطبّ الحديث، تدريساً وممارسة، أنّه لا يُركِّزُ بالقدرِ الكافي على قضايا التغذية وممارسة الرياضة والنوم السّليم والعلاقات الصّحيّة وتنظيمِ الانفعالات والتعامل مع كروبِ الحياة وزيادة المرونة النفسيّة وتحسين جودةِ الحياة. بالتّالي، ينفتِحُ المجال لمن يستغلّونَ هذا النقدَ الوجيه والفراغَ في هذه المساحة ليملؤوا الفضاءَ بجميعِ الخرافاتِ الممكنة في هذه المساحات، فيُقدّمونَ علاجاً مغشوشاً لمشكلةٍ حقيقيّة.

  • الحاجة لإضفاء المعنى على ما يبدو اعتباطيّاً وقاسياً

كثير من الخرافات المنتشرة حول الصحة تُركّز تحديداً على أمراض اكتسبت صوراً معيّنة في المخيال الشّعبيّ، ويحتاج البعض إلى قصص أو سرديّات تُعطيها بعضَ المعنى.

مثلاً، كثيرٌ من الخرافات الصحية تركّز على السّرطان. السّرطان في ثقافتنا العربيّة – وثقافات أخرى- أخذ صورةً رمزيّة تتجاوز المرض الفسيولوجي، ففي الثقافة الفلسطينيّة مثَلاً، يتجنّبُ كثيرون مجرّد استخدام كلمة “سرطان” عند الإشارة إليه، ويستخدمون بدلاً عنها “ذاك المرض”، وكأنّ ذكر الكلمة سيستدعي روحاً شريرة أو ما شابه. 

السّرطان كثيراً ما يظهر بلا مقدّمات وعند أشخاص أصحّاء، فهو ليس مثل الفشل الكلويّ أو تآكل المفاصل، أي الأمراض التي تظهر على مراحل ولها مقدّمات وتستغرقُ زمناً لتتفاقم، وتتوفّر علاجاتٌ طويلةُ الأمد لها.

بالتّالي، يبدو السّرطان في المخيال الشعبي شيئاً قاسياً واعتباطيّاً، مثل قوّة خاطِفة تأتي وتنتزِعُ إنساناً منّا بسرعة وبلا رحمة.

وحتّى مع تفاوت أنواع السّرطان بشدّة في خطورتِها، وتوفّر علاجات متقدّمة لها، يظلُّ كثيرون يفضّلون أي شيءٍ على السّرطان. مثلاً، يُمكِنُ لسرطان في الكلية أن يُستأصَل ويعيشُ المرءُ حياةً طبيعيّة بعد ذلك، لكن قد يُفضّل كثيرون لو سألتهم أن يُصابوا بالفشل الكلويّ ويضطرّوا لغسيل الكلى عدة ساعات أسبوعيّا لمجرّد أنه ليس سرطاناً.

لكلّ ما سبق، يحتاجُ كثيرون إلى شيءٍ يُضفي المعنى على هذا الوحش، ولا تبدو لهم التفسيرات الطّبيّة مقنِعة، ويلجؤون إلى خرافات من قبيل “مقاومة الخلايا للصمت والاختناق” أو “تمرّد الجسم على التروما” أو “خلل طاقي”، أي أنّهم يُريدونَ أن يُضفوا بعداً روحيّاً أو إراديّاً على السّرطان، ويريدونَ أن يُسبِغوا كيانيّة ما على هذا الشّيء، فكونُه مجرّد خلايا خرجت عن الطّور لعوامل جينيّة وبيئية متنوّعة لا يبدو سرديّة كافية لمن فقد حبيباً على غير توقّع، وبسرعة مؤلِمة.

  • توفير مجتمَع وصحبة وحالة من التضامن الاجتماعي

الطبّ الحديث حالة فردانيّة تماماً، فأنت تذهبُ للطبيب، وتُعطى تشخيصاً وعلاجاً، وتستمرُّ علاقتُك مع الطبيب كعلاقة فرديّة خاصّة. في حالات قليلة هناك نوعٌ من العلاج الجماعيّ، مثل مجموعة توعية غذائيّة للمصابين بالسّكري، أو علاج نفسي مع مجموعة group therapy أو مجموعات علاج الإدمان.

لكن في جميع هذه الأمثلة، القليلة والمحدودة أصلا، لا تتشكّل هويّة مشترَكة أو وعي جماعي أو حالة من الصّحبة والرفقة، بل يبقى التركيز منصبّاً على التشخيص والعلاج ومشاركة التجربة لمساعدة الآخرين على التعافي وليشعروا أنهم ليسوا وحدَهم. وهذه المجموعات العلاجية تظلّ محكومة بمبدأ السّرية الصحيّة.

 

أما الكوتشينغ ومجموعات الأمومة والتعافي من التروما وخرافات الطاقة وما يشبهها، فتنبني حولها هويّة اجتماعية، ويُعلن أصحابُها عن أنفسِهم، ويتبادلون المحتوى الالكتروني الذي يدعم مبادئهم، وقد يتشاركون نشاطات في العالم الواقعي مثل مؤتمرات وملتقيات ورحلات وما شابه.

 

هذا المكوّن الاجتماعي يُصبح بالنسبة لكثيرين أهمّ من من الأفكار التي جمعتهم معاً أصلاً. هذه الأفكار تُصبِحُ مجرّد ذريعة للقاء والتواصل والتّضامن، خصوصاً في عالم شديد الفردانية تفككت فيه كثيرٌ من الروابط الاجتماعيّة والثقافية والايديولوجية التي وفّرت سابِقاً للناس مجالاً للتلاقي والتضامن والتواصل.

  • صُعود “نمط الحياة” على حساب الحقيقة

كثيرٌ من متلقّي الخرافات الصّحية ومن يُتابِعون مروّجيها قد لا يُزعِجُهم في الحقيقة أن يكونَ أكثرُ هذا المحتوى عبارة عن خرافات. في كثيرٍ من الأحيان، هذه الخرافات ضارّة بل ومميتة عندما تتعلّق بقضايا صحّيةّ جادّة. لكن في بعض الأحيان، قد يكونُ ضررُها محدوداً أو غير موجود أصلاً، فما الضّرر الذي سيحصُلُ من تجنُّب السّبانخ في الطّعام، أو وضع حجر صغيرٍ أملس على البطن لتحرير طاقة الأنوثة الكامنة، أو تناول مكمّل غذائيّ لا يضرّ، أو الذّهاب للمختبر لفحص مستوى مادّة لها علاقة غيرُ واضِحة بالاكتئاب في نسبة ضئيلةٍ من البشر، وما يُشبِه ذلك؟

وفي مقابل ضررٍ محدود أو غير موجود، ينتمي المرء إلى “نمط حياة Life Style” يُعطيه نوعاً ما من الشّعور بالمعنى والانتماء. هذه الممارَسات لا تعدو كونَها مجرّد نِقاطٍ صغيرة في شبكة من المعنى المتخيَّل، والتّساؤل عن الدّليل العلميّ على فائدتِها أمرٌ ثانويّ، وقد يبدو لأصحابِها سؤالاً غريباً، مثلَ غرابة أن تسأل أحد معجبي “Taylor Swift” عن الدّليل العلميّ على جدوى اقتِناء كأس القهوة الذي ظهرت تحمِلُه، أو أن تسأل أحد أتباع طائفةٍ معيّنة عن الفائدة العلميّة لنمطِ اللباس الذي يُفضّلونَه. ارتباطً “نمط الحياة” بقضايا الصّحة هنا ليس كافياً لجعل معتنقي الخرافات الصّحية يتحوّلون فجأة إلى باحثين عن دليل علميّ.

  • جاذبيّة فكرة “المؤامَرة”

لا يُمكِنُ لعاقِلٍ أن ينفيَ وجودَ المؤامَرات في التّاريخ وفي جوانبَ مختلِفةٍ من الحياة. لكنّ وُجودَ المؤامَراتِ شيء، والقابليّة النّفسيّة لهذا النّمط من التفكير، أمران مختلِفان. يجِدُ التّفكيرُ المؤامَراتيُّ قابليّةً عند أنماطٍ معيّنة من البشر، من بينِها من يمتلِكونَ بعضَ الذّكاء وبعضَ المهاراتِ التواصليّة، لكنّهم فشِلوا في توظيف هذه المكوّنات في النّجاح ضمنَ الأطُر الاجتماعيّة المعروفة، فيجعلُهم هذا في حالة من المرارة التي يُخفونَها بالسّخرية،  وتتولّدُ لديهم الرّغبةُ في التّعويض وإثباتِ التفوّق. لذا، ينجِذبُ هؤلاء إلى حالة المؤامَرة، لأنّها تَقومُ على استِعراضِ معرفةٍ خفيّة يغفلُ عنها أكثر الناس -الجهلةُ والرّعاع حسب ظنّهم- ويُعوِّضونَ بادّعاء المعرفة الخفيّة التي لا يعرِفُها إلا الخاصّة عن عدمِ الاعتِرافِ بهم ضمنَ أُطُر المجتمع المعتبَرة والمقدّرة.

وينجَذِبُ كثيرونَ لهذا الخِطاب لأسبابٍ مختلِفة، من أهمّها نزوعُ البشر الفطريّ لمساءَلة الروايةِ السّائدة، والبحثُ عن الرواية الشفويّة والإشاعة والسرديّاتِ الجانبيّة. مثَلاً، يُشكِّكُ البعضُ في خطر التّدخين على الصّحّة رغمَ العدد الهائل من الدراسات، لكنّهم يُصدّقون إشاعاتٍ غريبة لا دليلَ عليها من قبيل أنّ وباء كورونا سبّبته أبراجُ الاتّصالات.

  • السوشال ميديا

فتحتِ السّوشال ميديا المجال لنجوميّاتٍ متنوّعة من أنماطٍ مختلِفة. بالنّسبةِ للمتخصّصين في المجالات الصحّية، هناك القليلُ من الأشياء المثيرةِ أو الغريبة في تخصّصاتِهم، ولا يُمكِنُ لمتحدّث رصينٍ وجادّ في الصّحة أن يأتيَ كلّ يوم بما هو غريب ومُثير وجاذبٌ للجمهور، فالصّحة وتخصّصاتُها تغلِبُ عليها الجدّية، بل الرّتابة والملل.

أما المتحرّرون من التزامات التخصّصية والمهنيّة، فبإمكانِهم أن يملؤوا فضاء السّوشال ميديا ب”المحتوى” الحافل بالغرائب والعجائب والتهويلات والمبالغات والتخويف والتّرهيب، وهذا تماماً هو المحتوى التذي تُفضّلة الخوارزميّات.

لذا، ندخُلُ في دائرةٍ مُفرَغة يُغذّي بعضُها بعضاً، فالمحتوى التّهويليّ الغرائبيّ غيرُ الرّصين وغيرُ المدعوم بالدّليل يكتَسِبُ رواجاً، فيتشجَّعُ منتِجوه على إنتاج المزيد، ويتشجَّعُ مستهلكوه على المتابَعة لما يرونَه من أرقامٍ تدُلُّ على الرّواج، بل يرغَبونَ في أن يُصبِحوا هم منتِجينَ لمحتوى مُشابِه، ولا شيءَ يمنَعُهم في الحقيقة لأنّ هذا المحتوى ليس منضبِطاً بضوابطَ علميّة أو مهنيّة، وتزدادُ الخرافات المتعلّقةُ بالصحّة والمرض رواجاً وانتِشاراً.

  • بناء حالة من الكفاحيّة 

كثير من المجتمعات التي تنبني حول الخرافات الصّحية تحتاجُ بشدّة إلى “آخَر” تُعرِّفُ نفسَها بالتضادّ معه، بحيث يلعَبُ هذا الأخَر دور الشّرير “villain” الذي تُكافِحُ هذه المجموعات ضدّه.

هذا الأخَر هو المؤسّسة الطبيّة التي تُريدُ ربطك بالأدوية طيلة عمرك والإثراء على ظهرك، أو شركات تصنيع الأطعمة التي تحقِنُكَ بالمسرطِنات والسموم والآفات، أو المجتمع الأبوي الذكوري الجاهل الذي يخنق طاقة الأنوثة، وغير ذلك.

وكثير من المحتوى الالكتروني الذي تتداوله هذه المجموعات ومؤثّروها يحتوي لازمة تتكرّر باستمرار، هي “ما لا يريدونك أن تعرفه عن الاكتئاب” أو “ما لم يخبروك به عن السكري” أو “ما كذبوا عليك بشأنه في السمنة” وهكذا. هناك دائماً آخَر يُخفي عنك شيئاً من أجل مصالح خبيثة. 

 

والحقيقة أن بناء مجتمع حول “خصم” أو “عدو” أو “آخر” تقنيةٌ شديدةُ الفعالية، بل قد يكون اجتماعُ الناس حولَ شيءٍ يرفضونه أكثر قوة من اجتماعِهم حولَ شيءٍ يُريدونَه، والنّقد في الأغلب أسهلُ من بناء مقولة متماسكة.

  • المظلوميّة

قليلة هي التقنيات التي تتفوّقُ على “المظلومية” في كفاءَتها، فهي من أنجع الوسائل لبناء مجتمعٍ متضامِن وجدانيّاً وشرس في عدائه لمن يخالفه.

وبالتّالي، فمجموعات الخرافات الصحية كثيراً ما تروّجُ أن آراءها مقموعة، وأنّ هناك قوى نافذة تستبعدُها من المجال العامّ، وأن المؤسسات المختلفة تحاربُها وتنبذُها وترفض الدخولَ معها في حوار.

ولذا، كثيراً ما تحتفي هذه المجموعات بالمنع وبتقنين المحتوى الالكتروني، فهو يُستخدَم كدليل على فكرة “لو لم يكن هذا الخطاب صحيحاً لما اضطُرّوا إلى منعه وتحجيمِه.”

وهذه معضلةٌ حقيقيّة لا حلّ لها حاليّاً، فلو كان هناك مثلاً مروّجٌ للخرافات حول الاكتئاب يُحاول إقناع الناس بعلاجه من خلال مغاطس الماء المثلّج، وكان عنده مليون متابع، فما الحلّ معه؟ إذا أزيلت صفحتُه فهذا سيُعطي وقوداً لسرديّة المظللوميّة، وإذا تُركت صفحتُه، سيظلُّ ينشرُ جهلاً خالِصاً يضرُّ كثيرين.

 

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة