لماذا لا أستطيع الانفصال عن العمل حتى في الإجازة؟

لماذا لا أستطيع الانفصال عن العمل حتى في الإجازة؟

يطرأ هذا السؤال في أوقات مختلفة، لكنه يُصبِحُ أكثر حضوراً في أوقات العطلة والإجازات مثل الصيف. حيث يشعر كثيرون أنّهم يبذلون الكثير من الوقت والتخطيط والمال من أجل إجازة يشعرون فيها بالراحة والانفصال عن العمل و”إعادة الشحن”، لكنّهم يشعرون بخيبة أمل حينما يبقى العمل وما يتّصل به حاضراً في أذهانهم، ولا تحقّق الإجازة ما توقّعوه منها.

 

لهذه الظاهرة مجموعةٌ من العوامل والجوانب المهمّة، نذكر بعضها مع أفكار تساعد في التعامل معها.

 

  • طبيعة العلاقة مع العمل

العلاقة مع العمل ذاتُ أنماط متنوّعة وليست شكلاً واحداً عند الجميع، وفهم هذه العلاقة بشكل واعٍ أساسيٌّ للتعامل مع فترات الابتعاد عن العمل.

من الطبيعي والمتوقّع أنّ المالك أوالمؤسّس أو الشريك أو صاحب الموقع القيادي في العمل/الشركة/المؤسسة يبقون متّصلين بأعمالهم على الدوام، والإجازة نادراً ما تعني لهم انفصالاً كاملا عن العمل. هذا يختلف عن الموظّف صاحب الدّور المحدّد والذي يمكن تغطيةُ مهامّه من مديره أو أحد زملائه في غيابه.

هذا الأمر ينبع من خيارات الإنسان العميقة في الحياة وطبيعة استثماره لنفسه ووقته، فالأدوار القيادية والريادية تقوم على حسبة مختلفة بمستوى الانخراط في العمل وللعائد الذي نتوقّعه من ذلك، إذ تحتاجُ الكثيرَ من الانخراط وتأملُ بعائدٍ كبيرٍ في المقابل، أما الأدوار الوظيفيّة ذات الطبيعة التعاقدية فهي تقوم على حسبة مختلفة.

بالتالي من المهم أن نكون واعين أصلاً بخياراتنا المهنيّة وأن نتوقّع تكاليفَها وعوائدها، وتأثير هذه الخيارات على مستوى انشغالنا وانهماكنا في أعمالنا وقتيّاً ونفسيّاً.

  • الكفاءة الإدارية في العمل

كثيراً ما تعود صعوبة الاسترخاء في الإجازة إلى مشكلات في الكفاءة الإدارية والتنظيميّة في العمل، من قبيل عدم وضوح الهرم الوظيفي، وعدم كفاءة المدراء، والضبابية في نطاق المهام والمسؤوليات، واضطراب قنوات التواصل، وغيرها. بالتالي، لا يتعلق الأمر بالإجازة وحدها، بل بمنظومة إدارية ضاغطة وتفتقر للكفاءة. في هذه الأحوال، تصبح الإجازة نوعاً من الهرب من منظومة مختلّة أكثر من كونها استراحة واستجماعاً للطاقة. 

والمهم هنا هو إصلاح منظومة العمل، فالعمل المستنزِف بسبب ضعف أو سوء المنظومة سيظلّ مستنزِفاً حتّى في الإجازة، والمنظومة الفعالة وذات الكفاءة لا تستنزِفُ المرء حتى وهو يعمل. الخلاصة: الإجازة لن تمنحنا الاسترخاء من منظومات العمل المختلّة والسيئة.

 

  • وضوح إجراءات سير العمل في الإجازة

من المهم وجود إجراءات واضحة وتقسيم للمهام في الإجازة، وألا يُترَك الأمر للاجتهادات والمصادفات، بل ينبغي أن يكون هناك ترتيب وتنسيق لمن يتولّى المهام وكيف يتعامل معها، ومستوى القضايا التي يمكن التواصل مع الشخص المُجاز بشأنها إن وُجِدت.

وفي هذا الصّدد، من المهم ملاحظة أنه كلما ارتفع موقع الشخص في المؤسسة، زاد الوقت والجهد اللازم منه لترتيب الأمور قبل الإجازة وكذلك لتدارك ما تراكم بعدها، وبالتالي يصبح للتخطيط أهمية مضاعفة، كما تزداد أهمية فكرة التوازن طويل الأمد مقابل فكرة الانهماك بعمق ثم محاولة الانفصال التامّ في الإجازات.

 

  • طبيعة الشخصية

من المهم التنبه لأثر تكوين الشخصية في طبيعة العلاقة مع العمل، فالتكوين النفسي الميّال للانضباطية العالية أو المثالية المفرطة أو القلق المفرط يزيد من صعوبة الانفصال عن العمل.

وهنا من المهم فهم طبيعة الشخصية للتعامل معها بتوازن، كما تزداد أهمية التواصل الواضح وفهم التوقّعات والإدارة الأمينة التي لا تستغلّ هذه النزعات عند الموظّفين الذين يميلون للإفراط في الحرص أو القلق، بل توفر لهم الإرشاد mentorship من أجل الفائدة المتبادلة على المدى الطويل بدلاً من الاستنزاف.

 

  • ترسيخ ثقافة التوازي بين المسؤولية والاستمرارية

بيئات العمل الجيدة ترسّخ ثقافة تجمع بين المسؤولية وأداء المهام من جهة، وبين أهمّية الاستثمار في الأفراد وإطالة أمد بقائهم في المؤسّسة بتقليل احتمالات احتراقِهم وظيفيّاً واستنزافهم.

بوجود هذه الثقافة، يتمتّع الفرد بالاطمئنان إلى وضوح دوره، وبالتالي لا يجد حاجة للشعور بالضغط في الإجازة أو للشعور بأنّ عليه دائماً أن يثبت نفسه بما يتجاوز المعقول من أداء المهامّ والطموح المهنيّ. إذا كان الفرد في المؤسّسة يعيش في حاجة دائمة لإثبات الذّات أو لملء فراغ غير مرئيّ وغير محدّد، فسيصعب عليه الانفصال عن العمل في الإجازة لاستعادة التوازن واستجماع النفس والطاقة.

 

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة