يتساءل البشر منذ زمن عما يدفعهم إلى تكرار تجاربهم السيئة، فكثيراً ما يخرج الإنسان من علاقات أو بيئات عمل أو تجمعات بشرية مختلفة أو تجارب معيّنة، ويقولُ لنفسه بثقة وقطعيّة “لن يتكرر هذا أبداً” ثم يجد نفسه بعد حين يعودُ إلى علاقات وتجارب وبيئات وتجمعات شبيهة بتلك التي عزم وأقسم ألا يعودَ إليها أو مثلِها.
لماذا؟
هذا السّؤال لم يحيّر الناس فحسب، بل حيّر المتخصّصين في علم النّفس. ثمّة نظريّاتٌ مختلفة من الصّعب حتى الآن الحكم بأيها أصحّ، ولعلّ الجواب يكمنُ في مزيجٍ منها.
فرويد ألقى بدلوه في هذا السّؤال، ومنه نأخُذُ تفسيرَنا الأول. في حديثه عن “التروما” وعودة بعض من تعرّضوا لها إلى الشخص نفسه أو البيئة نفسها حيث حصلت التروما. حسب فرويد، يعود ضحيّة التروما إلى البيئة نفسها مدفوعاً بالرغبة في الشّعورِ بالسيطرة على الموقف بدلاً من أن يكون ضحيّة له، أمَلاً أن يؤدّي ذلك إلى التخلّص من التروما وتبعاتِها. أي أنّها محاولةٌ ل”تصحيح التاريخ”.
إذن حسب فرويد، أحيانا تتحوّل “لن يحصلَ أبداً” إلى “هذه المرة سأتصرّف بطريقة مختلفة.” المصطلح الذي سكّه فرويد لهذا التفسير هو “قهريّة التكرار Repetition Compulsion”.
والمثال التقليديّ هو العلاقةُ العاطفيّة التي يتعرّضُ أحدُ طرفيها للأذى، ثم يعودُ بعد فترة للشخص نفسه أو لنسخة مشابِهة منه، مدفوعاً برغبة دفينة، لا واعية إلى حدّ كبير، في تصحيح الخطأ الماضي، أملاً أن يؤدّي هذا التصحيح إلى استعادة تماسك النفس أو تخفيف ألمِها بسبب التروما.
تفسيرٌ ثانٍ يقولُ إن من مرّوا بتجارب سيّئة كثيراً ما خرجوا منها في حالة من الالتباس، فهم قد يشعرون أنهم مسؤولون بقدر أو بآخر عن كون التجربة سيئة. هذا الشعور قد يكون نابِعاً من داخلهم، وقد يكونون تلقّوا هذه الفكرة من أطرافٍ أخرى كانت جزءاً من التجربة.
مثلاً، قد يكون أحدهم ترك بيئة عمل بعد اقتناعِه بأنها سيئة للغاية وضرّته وآذته، لكنّ آخَرين في بيئة العمل، وبعضهم قد يكونون أصدقاءه بالفعل، ظلوا يخبرونه بأن الأمور ليست سيئة كما يصوّرُها، وأنّ عليه أن يصبر، وأن جزءاً من مشكلته أنه حساس للغاية أو يحتاج لبعض التأقلم والمسايرة، وغير ذلك. قد يكون هذا كله صحيحاً وقد لا يكون، لكن المهم هو أن الشخص غادر بيئة العمل غير متيقّن من مقدار مسؤوليّته إن وُجِدت.
بالتالي، قد يعود بعد حين إلى البيئة نفسها أو بيئة شبيهة، لا لتصحيح التاريخ ولا للانتصار هذه المرّة، ولكن لمجرّد الرغبة في إثبات “لم أكن أنا المخطئ، بل التجربة كانت سيئة بالفعل.”
هناك تفسيرٌ ثالث تطرحُه علينا نظريّةُ الارتِباط العاطفي Attachment Theory. يقولُ هذا التفسير إن لدى الشخص قابليّة متجذّرة ولاواعية لأن يكون ضحيّة لنوعٍ معيّن من التجارب السيئة بسبب النّشأةِ المبكّرة، وهذه القابليّة العميقة تجعلُ الشخص يقعُ في التجربة السيئة نفسها لأنّ عُمقَ هذه القابليّة أقوى من قدرتِه على التعلّم ومن قدرتِه على بناء بصيرةٍ بدوافعِه العميقة غير الواعية.
مثلاً، قد يكون شابٌّ قد عاش في كنف والدَين حريصين عليه وعلى مصلحتِه، لكنّهما شديدا الجفاف عاطفيّاً، فلم يعش هذا الشّاب تجربة الشّعور بالحب والدفء العاطفيّ، اللهم إلا بمعنى حرص والديه وخوفهما عليه وتلبيتِهما لحاجاته. هذا الشّابّ قد تنطبِعُ تجربةُ الحبّ في لاوعيه بالتّوق الذي لا يتحقّق، وبرغبةِ التواصل التي لا تكتمل. هذا قد يجعلُه، بشكلٍ لاواعٍ، ينجذبُ عاطفيّاً إلى نساءٍ يستحيلُ عمليّاً أن يرتبطَ بهنّ، مثل أن ينجذب إلى زميلةٍ متزوّجة، ثمّ إلى امرأة تعرّف عليها عبر الانترنت وتقيم في دولةٍ بعيدة، ثمّ إلى أخرى أثرى منه بكثير إلى درجةٍ تجعلُ ارتباطَهما صعباً عمليّاً. ما يحصلُ هنا هو أنّ هذا الشّابّ يُكرّر نموذجاً لاواعياً انطبع في ذهنه عن الحبّ، حتى ولو كان يؤدّي في كلّ مرّة إلى معاناة وألم.
أما التّفسير الرابع فتقدِّمُه لنا نظريّةُ التعلّم Learnin Theory، ومفادُه أنّ كثيراً من التّجاربِ الإنسانيّة يختلِطُ فيها السيّءُ بالجيّد، والسعيدُ بالمؤلِم. وإذا كانت هذه التجاربُ قويّةً ومؤثّرة، فإنّ ذاكرتنا لا تستطيعُ أن تفصل بين ما هو أساسيٌّ ومرغوبٌ في تجربةٍ من هذا النوع، وبين ما هو مؤلِم ويُمكنُ تجنُّبُه.
مثلاً، قد تكونُ علاقةٌ زوجيّة مفعَمةً بالحبّ الحقيقيّ الصّادق، لكنها تعثّرت لأسباب معقّدة، فاختلطَ الحبُّ فيها بالانكسار والألم والحسرة. هذان الزّوجان قد يخوضان مثَلاً جدالاً طويلاً مليئاً بالحبّ والألم والدّموع. لا تستطيعُ الذّاكرةُ هنا أن تحدّدَ ما إذا كانَ هذا الجِدال مِثالاً على الحبّ الشّغوف الراغبِ في الاستمرار، أم على الحب المُنهِك السّائرِ إلى نهايةٍ مؤلِمة. إذا ما انتهت هذه العلاقة، وارتبطتِ الزوجة برجل آخَر، قد يبدو هدوءُه بروداً، وقد تبدو أريحيّتُه في الجدالات عقلانيّة جامِدة، فلا تستطيعُ الزّوجةُ أن تشعرَ أنه يحبِّها بالفعل، وقد تتوقُ إلى حراراة الجدالات لأنها تُشعِرُها بحقيقة الحبّ أكثر من الهدوء.
التفسيرُ الخامس له بُعدٌ نفسيّ-أخلاقيّ، وكثيراً ما يُسمّى “عقدة النّاجين Survivor’s Guilt”، وتحصلُ مع بعضِ من مرّوا بتجاربَ شديدة الألم، وخرجوا منها أحياء، في حين أنّ آخَرين ممّن مرّوا بالتجربة فقدوا حياتَهم أو تعرّضوا لأذى جسيم. كثيراً ما يحدُثُ هذا لضحايا الحروب والتعذيب والسّجن الطّويل. يُحاوِلُ من خرجوا من هذه التّجارب أحياء أن يبحثوا عن سببٍ منطقيّ لنجاتِهم، في حين أنّ آخَرين غيرهم، وبعضهم عائلة أو أصدقاء أو يشتركون معهم في أشياء كثيرة، لم يحظوا بفرصةِ النّجاة. تُحاوِلُ نزعةُ الإنسان الأخلاقيّة أن تجدَ تفسيراً، ولكنّها تعجز. نُحبّ كبشر أن نرى الكونَ مكاناً منطقيّاً على قدرٍ من الاتساق الأخلاقي، ونرغبُ بالتّالي في أن يهلكَ الأشرار وينجوَ الأخيار، لكنّ هؤلاء الذين لم ينجوا أخيارٌ مثلنا، بل قد يكونون أفضلَ منّا أو أصغرَ عمراً أو أجدرَ بالنّجاة من منظورِنا. حين يعجَزُ حسّ الإنسانُ الأخلاقيّ عن تفسير هذه المعضِلة، قد يندفِعُ الإنسانُ إلى العودةِ إلى مكمن الخطر أو ما يشبهه.
أما التفسيرُ السّادس فتمدُّنا به نظريّة الاقتران الشّرطي Conditioning، وملخّصُه أنّ في بعض التجارب المؤلِمة أو الخطِرة نوعاً من الشيء الاستثنائي Novelty، وقد تنطوي على بعضِ الإثارة والاستنفار، كما يحدُثُ في الرياضات الخطِرة. هذا الجانب يتغلّبُ على الخوف والألم، فيعودُ المرء إلى تجربةِ ما ليس في صالحه. مثَلاً، هذا قد يرتبِطُ شابٌّ بامرأةٍ متقلّبِة المزاج، متهوّرة، شديدة الانفعال، مندفِعةٍ في القرارات، تُحبّ باندفاع وتكره باندفاع. رغم ما قد يجلِبُه هذا الارتباطُ من أذى ومعاناة وعدمِ استقرار، إلا أنّه ينطوي على مغامَرة ومفاجأة وإثارة، بطريقةٍ تُشبِهُ إغراء حلّ أحجية أو فكّ لغزٍ غامض. بعدَ ارتِباطٍ من هذا النّوع، قد تبدو العلاقات المستقرّة لهذا الشّاب رتيبة، مملّة، متوقّعة.
ونختم مع التفسير السّابع المرتبِطٌ بفكرة المعنى. كثيراً ما يرتبِطُ المعنى بالمعاناة، بحيثُ يصعُبُ الفصلُ بينهما.
يحصُلُ هذا مثَلاً عند المهاجِرين إلى مجتمعاتٍ جديدة. كثيراً ما تنطوي رحلةُ الهجرة على ألم ومعاناة وتعب، وعلى خلق هويّةٍ جديدةٍ للذات، وكثيراً ما يعملُ المهاجِرون في مهنٍ صعبة وشاقّة لتأسيس كيانٍ ووجودٍ لهم ولعائلاتِهم. هذه التجرِبةُ الشّاقّة تمنحُ المهاجِرَ شعوراً كبيراً بالمعنى، وسرديّة محبّبة لنفسِه رغم ألمِها.
وإذا ما أتيحت للمهاجر فرصةٌ لبعضٍ من رغدِ العيش، أو عملٍ أسهل مع العائد المادّيّ نفسه، فإنه قد يشعُرُ بانزياحٍ عن هويّتِه وسرديّته، فمعنى الحياة عنده ارتبطَ بالمشقّة، والعملُ السّهل قد يبدو له خيانةً لكيانِه ولرؤيتِه العميقة لهوّيته.


