منذ أن ظهرت “التنمية البشرية” في الثّلث الأخير من القرن الماضي، ظلّ خطابُها يعيد إنتاج نفسِه حسب المزاج السائد، وواظبَ روّادُها على اقتناص “التريند” الثقافي والقفز على موجته، فمنذ انطلاقتِها كنمط شعبيّ تحفيزي من الفردانية الرأسمالية، ركبت موجة “الانترنت وتكنولوجيا الاتصال” مطلع القرن الحالي، ثم استدخلت “الشخص كسلعة Personal Branding ونمط الحياة Lifestyle”” مع الانتشار الهائل للسوشال ميديا، ثم تزوّجت الاستثمار والمهارات الماليّة التي ازدهر الحديث عنها في جائحة كوفيد، وأخيراً، استولت على خطاب ال “Wellness” بكافّة تجلّياته التي شملت التغذية والرياضة ومقولات السيكولوجيا الشعبيّة (من قبيل العلاقات السّامة وفوبيا النرجسيّة وتمجيد الانغماس في الذات). ومن الطريف أنك لو تتبّعت بعض روّادها الأكبر عمراً فستجدُهم ألفوا كتباً وقدّموا دورات وكورسات في كلّ ما سبق!
لكنّ آخر صيحات التنمية البشريّة هي استدخال الذكاء الاصطناعي، لا كوسيلة فحسب، بل كمكوّن جوهري يُصاغ خطاب التنمية البشرية اعتماداً عليه.
على صعيد الوسيلة، يتزايدُ استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في خطاب التحفيز الشخصي والتطور المهني والكفاءة الماليّة والتقدم الوظيفي، وكثيرٌ من “روبوتات الدردشة Chat Bots” متخصّصة في هذا الغرض، وتتزايدُ كذلك التطبيقات التي تؤدّي هذا الدور بطرق مختلفة.
لكن الأهم هو استدخال الذكاء الاصطناعي في خطاب التنمية البشرية على صعيد المضمون والمحتوى.
هذا الاستدخال ينطلِقُ من فكرة بسيطة مفادُها أنّ الذكاء الاصطناعي عبارة عن كيان تتعاظمُ قدرتُه باستمرار، وتتزايدُ كفاءتُه بشكل مُبهِر بل مخيف أحياناً، ويتّسِعُ حُضورُه في كلّ مناحي الحياة من تطوير البرمجيّات إلى العلاج النفسيّ. ينطلق خطاب التنمية البشرية من هذه الفكرة ليصل إلى الاستنتاج التالي: بوجود كيانٍ من هذا النوع، ليس هناك عذرٌ لأحد لأنّ الوصول بذواتِنا وحيواتِنا إلى حدود الكمال صار أمراً في متناولِنا، ومن يُقصّر في هذا فهو وحده الملوم ولا أحدَ غيرُه.
من الأفكار التي بدأت تنتشر في هذا السياق فكرة “أَمثَلَة الحياة Optimizing Life” أي أن يصِلَ المرءُ بحياتِه إلى أقصى ما يُمكِنُ من المثاليّة والتحكّم والكفاءة. حسب هذه الفكرة، لم يعد لك عذرٌ في ألا تفهم مسألة دراسيّة، أو تُقصّر في مهمّة وظيفيّة، أو ألا تستغلّ نصف الساعة في الجيم في أفضل التمارين تحفيزاً لنموّ العضلات، أو أن تأكلَ أي شيء دون أن تحسب سعراته الحراريّة مباشرة، أو أن ترضى بأيّ خطأ في تربية أبنائك، أو أن تفوتكَ أفضلُ فرصِ الاستثمار. لم يعد شيءٌ من هذا مقبولاً في زمن الذكاء الاصطناعي حسب هذا الخطاب، فما دام هذا الذكاء الفائق بين يديك وفي متناولك، فأنت وحدك المسؤولُ عن عدم استغلالِه وُصولاً إلى أقربَ ما يمكنُ من الحياة المثاليّة.
لا ينبغي للمرء أصلاً أن يُضطَرَّ للاستدراك والقول بأنّ الذكاء الاصطناعي يفتحُ للبشر إمكاناتٍ هائلة. هذه المقولةُ بدهية للغاية، ومن الصعب على المرء أن يصِفَ بالكلمات هذه الثّورة العارمة التي نعيشُها.
لكنّ القفز من هذه الفكرة الصحيحة إلى القول بأنّ تحويلَ المرء لحياتِه بالكامل إلى نمط مثاليّ صار متوقّفاً فقط على قرارٍ يتّخذُه الفرد هو قفزٌ يفتقِرُ إلى الكثيرِ من الحكمة والتروّي. فحينَ نتأمَّلُ هذا الخطابِ، ستظهرُ لنا بسرعة مشكلات كبيرةٌ فيه.
المثاليّة أم التوازن؟
الخطاب الذي يدعو لحياة مثاليّة قائمةٍ على التّحكم شبه الكامل هو خِطاب مُعادٍ للإنسان في حقيقتِه، والسببُ هو أنّ أكثرَ البشر يجدون طمأنينتَهم وسعادتَهم بل وحتى إنتاجيّتَهم عندما يُحقّقون التوازنَ بين مجموعةٍ من المكوّناتِ التي تهمّهم. هذه المكوّناتُ تختلفُ عدداً ونوعاً من شخصٍ إلى آخَر، لكنّ الفكرة العامة تظلُّ صحيحة: سعادةُ أكثرِ البشر تكمُنُ في التوازن، لا في المثاليّة.
تخيّلْ أمّاً تحرِصُ على أن تربّيَ أبناءَها بأفضل طريقةٍ ممكِنة. حتى لو افترضنا أنّ بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يُعطيها الإجابة الأفضل عن كلّ سؤالٍ تربويّ -وهذا افتراضٌ غيرُ واقعيّ- فمن المهمّ أن نتساءل عن دور العفويّة والأريحيّة في التعامل مع الأبناء. أليس من المُقلِق ألا تشعرَ هذه الأمّ بالأريحيّة في أن تستجيبَ لأطفالِها بعفويّة وتتصرّفَ تجاههم كإنسان متصالِحٍ مع مشاعرِه ويستخدِمُ حدسَه وحسَّه السليم؟
من المقبول، بل المطلوب، أن نتوقّعَ من الآباء أن يقرؤوا شيئاً في التّربية وأن يبحثوا في مصدرٍ موثوق أو يسألوا متخصّصاً إذا واجهتهم مشكلة تربويّة. لكنّ مطالبتَهم بالتحكّم الكامل سيُفقِدُ العلاقة روحَها وأريحيّتَها وإنسانيّتَها، وسيُدخِلُ الآباء في تقلُّبٍ مزعج بين الرغبة في التحكّم الكامل وبين الشعور بالإهمال والتقصير.
وتخيّلي شخصاً يُحاولُ أن يُحسّن صحّتَه من خلال الرياضة والتغذية الجيّدة. من الممتاز أن يكون بين يديه ما يُعطيه معلومات موثوقة وسريعة حول التمارين الأفضل وخيارات التغذية الأكثر صحّيّة. لكن، أليسَ من المهمّ أن يختارَ هذا الشخص نمطاً رياضيّاً يستطيعُ المواظبة عليه على المدى الطّويل، حتّى ولو كان أقلّ فعاليّة من غيرِه؟
وأليسَ من الأفضل لهذا الشّخص أن يتناولَ وجبةً مع عائلتِه أو أصدقائه دون أن يحسبَ سعراتِها الحراريّة بدقّة، بدلاً من أن يعزلَ نفسَه أو أن يُفسِدَ اللحظة بالحساب والشّعور بالذنب؟
وأمام اتّساعِ دائرةِ هذه النسخة من التنمية البشريّة، يحسن بنا أن نتذكّر:
- ليس هناك عامِلٌ واحد محدّد سيؤدّي وصولُنا للمثاليّة فيه إلى السّعادة.
- من المستحيل عمليّاً الوصول إلى المثاليّة في جميعِ أو أكثرِ العوامل التي تهمُّنا أو ترتبِطُ سعادتُنا بها.
- بالتّالي، فرصتُنا الأفضل في السّعي نحو الطمأنينة والتحقُّق والسّعادة تكمُنُ في أن نسعى إلى تحسين المجموعةِ الأهم من مكوّناتِنا، وأن نحرصَ على التوازن بينها بالتوازي مع سعيِنا لتحسينِ كلّ منها.


