كثيراً ما يُستخدم مصطلح “Grounding” في الحديث عن العلاج النّفسي، وكذلك في الحديث عن المهارات الذاتية التي يمكن أن يقوم بها الشخص للتعامل مع القلق والتفكير الزائد وتوابع التروما. فما هو التجذير؟
هناك ثلاثة معانٍ أساسية يستخدم لها المصطلح:
1- التلامس مع الأرض والشعور بذلك: أي وضع القدمين على الأرض والشعور بتلامسهِما مع الأرض. هذه إحدى تمارين التجذير وصوره، لكنها ليست الوحيدة، وأحياناً ما يُستخدم المصطلح بمعنى السير على الأرض أو العشب حافياً، وهذا معنى حرفي زيادة عن اللزوم. لعل هذا هو السبب الذي يجعلنا نرى grounding تُترجَم إلى “التأريض”، وهي ترجمة حرفيّة غير مستساغة ولا نفضّلها.
2- الانتقال المقصود من عالم الأفكار والمشاعر -العالم الذهني- إلى العالم المحسوس الواقعي الحقيقيّ -العالم الفيزيائيّ-، أي الخروج من حالة الانفعال الخارج عن السيطرة واجترار الأفكار والقلق المفرط إلى حالة من تثبيت وتأكيد التواصل مع العالم الواقعيّ الملموس كما تدركه الحواس.
3- الانتقال من حالة استدعاء الماضي المؤلم أو الخوف من المستقبل المقلِق إلى اللحظة الحاليّة، أي الحضور في الزّمن الحالي.
وكما هو واضح من المعاني الثّلاثة، فنحن نتحدّث عن حالة:
- مترسّخة في العالم الفيزيائي المحسوس
- متثبّتة في اللحظة الحاليّة
- متجذّرة في الحواسّ
باختصار، هي الحضور في “الآن”، زمنيّاً ومكانيّاً وحسّيّاً.
أصل الفكرة
جاءت فكرة التجذير أساساً من العلاج النفسي المرتبط بالتروما، فمن يُعانون من التّروما يمرّون بتجارب مختلفة من هيمنة أفكارهم وانفعالاتِهم عليهم، ومن حالة الارتجاع القهريّ للحظات من التروما flashbacks، ومن فقدان السيطرة على الجسد كما يظهر في التنفس السريع ونبضات القلب المتسارعة وغيرها. هذه الحالة تجعل الشخص يفقد الاتصال بالواقع بدرجات متفاوتة، وهي حالة مربكة ومتعبة وأحياناً مخيفة، خصوصاً إذا صاحبتها نوبات الهلع.
بالتّالي، اقترح العلاج النفسي هذا المفهوم من أجل العودة إلى العالم الواقعي، وتزويد الجسم بأكبر مقدارٍ ممكن من المُدخَلات والمعطيات التي تُعيدُه إلى اللحظة، وتبعدُه عن أعراض التروما.
ومع الوقت، انتقلت هذه الفكرة والممارسات المرتبِطة بها إلى علاجات القلق والتوتر والاكتئاب، وبعضُ مهاراتِها مفيدة عموماً للتوتّر اليوميّ حتى عند من لا يعانون من اضطرابات نفسيّة.
أهم ممارسات التجذير
1– تنشيط الحواسّ الخمس
ونعني بها التمرين المعروف ب (1,2,3,4,5) ونقصد به تعريف خمسة أشياء يراها الشخص في اللحظة، ولمس 4 أشياء في متناوله، وتحديد 3 أشياء يسمعُها، وتحديد رائحتين شمّهما في اللحظة، وتذوّق شيء واحد إن أمكن. والمقصود هو إيصال أكبر قدر ممكن من المدخَلات الحسّية لتحفيز الجسد على استعادة المركز، والخروج من هيمنة عالم الذهن والمشاعر.
2– التجذُّر المكاني
ونعني به توكيد تلامس القدمين مع الأرض أساساً، والشعور بالتواصل مع الكرسي جسديّا في حالة الجلوس، ووضع اليدين على الفخذين، أي تحقيق أكبر قدر ممكن نقاط التواصل مع العالم الفيزيائيّ الحقيقي.
3– التنفس
وهو من أهمّ ممارسات التجذير، ونعني به محاولة تنظيم التنفّس، وإبطائه، والشعور به. من الطّرق الشائعة لفعل ذلك ما يُعرف ب (4X4) أي الشهيق لمدّة 4 ثوانٍ، والاحتفاظ بالهواء في الرئة لمدة 4 ثوانٍ، والزفير لمدّة 4 ثوانٍ. الهدف هو تحفيز الجهاز العصبيّ المرتبط بالهدوء والأمان، وتثبيط الجهاز العصبيّ المرتبط بالتحفّز ومواجهة المخاطر أو الفرار منها.
4– الحضور الذهني
أي نقل التركيز والوعي إلى اللحظة الحالية، بدلاً من انهماكِها في مخاوف مستقبليّة أو تجارب سابِقة. أهم وسائل الوصول إلى الحضور الذهني هي ملاحظة الجسم والانتباه له، من خلال التركيز على ما يشعر به الجسم، مثل انسياب الهواء داخل الأنف إلى الجوف، وحركة عضلات القفص الصدري، وملمس أشعّة الشمس على الجسم، وشعوري بقدميّ تلمسان الأرض، وهكذا.
كما أن الحضور الذهني يحصل بركوب الأفكار كأنها أمواج، أي من دون مساءلتِها أو محاولة مقاومتِها ودحضِها، وكذلك دون الانسياق وراءها وتصديقها وتركِها تُهيمن علينا، بل نراقِبُها تأتي وتذهب.
5– تحويل التفكير
ويحصُلُ من خلال نقل التفكير بقصد وإرادة من الأفكار المزعجة والدّاهمة إلى مهامّ ذهنية بسيطة ولكنّها تشغل الذّهن بقدرٍ ما، مثل تعداد أشهر السّنة بالعكس، أو تذكُّر أبيات قصيدة مألوفة، أو تلاوة ذِكر.
وهذه الوسائل تعملُ بشكل أفضل في لحظات التوتّر كلما تدرّب المرءُ عليها في لحظات الاستقرار والهدوء.


