الحدس هو شعور داخليّ قوي بالميل نحو فكرةٍ ما أو قرارٍ ما أو مسارٍ ما، دون أن يكون بإمكاننا أن نفسّر -لأنفسنا ولغيرنا- هذا الميل بشكلٍ منطقيّ أو مدعوم بالبراهين الواضحة.
وكثيراً ما يُثيرُ الحدسُ أسئلةً مهمّة، فهل للحدس قيمة في ذاته؟ وهل علينا بالتالي أن نُصغيَ لهذا الصّوت الداخليّ؟ أم أنّ علينا أن نُهمِلَه ونعتمد فقط على المعلومات الموثوقة والبراهين المنطقيّة التي يُمكننا أن نقيّمَها بشكلٍ موضوعيّ؟
ضرورة تحليل الحدس
عندما نجِدُ أنفسنا أمام مجموعة خيارات، ونشعرُ أنّ بداخلِنا ميلاً قويّاً تجاه أحد الخيارات لكننا لسنا قادرين على تفسيره، فمن المهمّ ألا نُهمِلَ هذا الشّعور، ومن المهمّ كذلك ألا ننساق وراءه دون تفكير. أي أنّ إهمال الحدس وتصديق الحدس كلاهما خطأ، وما نقترِحُ كخطوة أوّليّة هو محاولة فهم هذا الحدس.
الحدس لا يختلِفُ عن التفكير الواضح أو المعلن أو الـ explicit من ناحية مصدره ومن أين يأتينا، فميلنا تجاه شيء معين أو شعورنا القوي بأنّ هذا هو الخيار الصحيح يأتي من عدّة مصادر، فهناك تجاربُنا السابقة ، وهناك ذكرياتُنا الدّفينة ، وهناك آراء موجودةٌ في محيطِنا الاجتماعيّ والثقافيّ، وهناك بيانات متاحة، وأمثالٌ دارِجة، وقصص متنوّعة تشكّل مخيالنا الثقافيّ، وكثيرٌ غيرها … من مجموعة هذه الأشياء كلِّها يتشكل لدينا موقف معين.
الفرقُ الأساسيّ بين تفكيرِنا الواضح المنطقيّ وبين الحدس العميق هو أننا في حالة الحدس لا نستطيع أن نستحضر أو أن نذكر أو نعدّد أسباباً واضحة مترابِطة منطقيّة تُشعِرُنا أننا قادرون على إقناع غيرنا أو حتى أنفسنا أحياناً.
مثلا، لو أتيحت لي فرصة عمل مختلفة عمّا اعتدتُ عليه، فقد يكونُ من السّهل عليّ أن أعدّدَ أسبابي المنطقيّة للرغبة فيها، مثلَ أن تكونَ في منطقة جغرافيّة مختلِفة وتتطلّب منّي أن أطوّر نفسي ثقافيّاً واجتماعيّاً، أو أن تتطلّبَ منّي مهاراتٍ واستعدادات لا أمتلكُها وعليّ أن أتعلّمَها، أو أنّ فيها قدراً من المغامَرة والفضول يستهويني لقبول التحدّي.
ويُمكن كذلك أن تتاح لي فرصة اقتصادية أوفكرةُ مشروع جديد لم تخطر لأحد من قبل، وأن أشعر بميل قوي تجاه خوض هذه الفرصة على الرّغم من أنني غير قادر على توضيح أو شرح أسبابي لهذا الميل والدّفاع عن توجّهي نحوه.
في الحالتَين، مصادرُ تفكيري هي نفسُها، لكن في الحالة الثّانية، ليس واضِحاً لي بالضّبط من أين أتى هذا الشّعور القويّ، فقد يكون شيئاً دفيناً في الذاكرة، أو مكوّناً عميقاً في شخصيّتي، أو تجربة سابقة نسيتُها لكن بقيتْ آثارُها، وقد يكون الأمرُ نتيجةَ تأثير خارجيّ، لكنّني غيرُ قادر على تتبع هذا النّزوع القويّ إلى أيّ من هذه المصادر الأصلية وراءه.
إذن، المصادرُ هي نفسُها في الحالتَين، فالمكوّناتُ التي تشكل أفكارنا المنطقية المعلنة explicit هي نفسُها المكوّناتُ التي تشكل حدسَنا Intuition. وبما أنّ تفكيرَنا المنطقيّ الواضح يُمكِنُ أن يُخطئ، فحدسُنا كذلك يُمكِنُ أن يُخطئ.
هل الحدسُ مخالِفٌ للمنطق دائماً؟
لا، ليس بالضّرورة. هذا خطأ شائع، فكثير من الناس يظنّون أن الحدس دائماً يأتي بالخلاف مع ما هو منطقي أو مع ما هو سائد أو مع ما تقوله البيانات، وهذا ليسَ صحيحاً، فحدسُنا قد يكون متوافِقاً مع المنطق أو البيانات أو التفكير السّائد والشّائع، لكنّه لا يجذِبُ انتباهَنا في تلك الحالة. الحدسُ يجذِبُ انتباهَنا ويُصبِحُ موضوعاً مُثيراً للتفكير والاهتمام عندما يتعارَضُ مع المعلومات المتاحة أو المنطق أو الشائع أو السائد أو common sense.
فإذا كانت المعلومات والحجج المنطقيّة تقول لي إنّ هذه الوظيفة ممتازة، وكان حدسي كذلك يخبرني أنها ممتازة، فلن ألاحظَ حدسي أو أهتمّ به أصلاً. لكن عندما لا تتوفر المعلومات والبينات والحجج المنطقيّة، أو لا يوجد بين الخيارات ما يمكنني أن أعتبرَه الخيار المنطقيّ أو ال common sense ، فسأشعر أنني أحتاج إلى حدسي ليدلّني، أي أن أستخدم ما يُسمّى “الشعور الباطني gut feeling”. وكذلك عندما يتولّدُ عندي شُعور عميق مخالِفٌ للمعلومات المتاحة أو مُعاكِسٌ للمنطق السائد، فسيحظى هذا الحدسُ بملاحظتي واهتمامي وسيصعُبُ عليّ أن أتجاهلَه.
الحدس يُصيبُ ويُخطئ
هذا أمرٌ مهمّ للغاية، فالخيارُ الذي يدفعُنا إليه الحدس ليس بالضّرورة هو الأفضل، لأنّ مصادرَه لا تختلِفُ عن مصدار التفكير الواضح المُعلَن، لكنّ الخدعةَ التي ننساقُ نحوَها أحياناً هو أن خفاءَ سببِ الحدس يُضفي عليه غموضاً وسِحراً، فنتخيّلُه نوعاً من الإلهام أو الحقيقة المستقلّة عنّا لأننا لا نستطيعُ استيعابَها أو إخضاعَها للمنطق.
مثال على حدس صائب:
أن يكون في داخلي نزوعٌ نحو النشاط الاقتصادي الحر والإبداع، لكنّ ظروفي العائلية أو الظروف الاقتصادية أو اعتماد الآخرين عليّ أخذتني إلى مسار مهني به قدرٌ من الثبات والاستقرار، وفجأة ظهرت لي فرصة تتجاوبُ مع هذا المكون الإبداعيّ والرّياديّ entrepreneurial في شخصيتي، وأدّت هذه الفرصة إلى نشوء حدس قوي لديّ بأنني قادر على خوض هذه الفرصة رغمَ ما فيها الخروج عن النمط المألوف الذي يسيطر على معظم حياتي، فتبعتُ حدسي وأخذتُ هذه الخطوة، وبالفعل نجح هذا المشروع وأثمرتْ هذه الفرصة إثماراً ممتازاً، وبالتّالي كان حدسي صائباً.
مثال على حدس مخطئ:
شاب تربى في طفولته على الاحتياج المبالغ به للأم والاعتياد المبالغ في على دعمِها، حيثُ كانت الأم من النوع الذي يتحكم ويتدخل في التفاصيل بقدرٍ غيرِ صحّيّ، فنشأ عند هذا الشابّ قدرٌ عالٍ من الاعتماد عليها وعلى رعايتها. هذا الشاب كبر ظهرتْ في حياته امرأة تخالف هذا النحو، أي لا تعطي هذا القدر من الحماية أو الرعاية، وإنما تريدُ أنها تعزز لديه نزعة الاستقلالية والاعتماد على نفسِه. قد ينشأ شُعورٌ عميق داخل هذا الشابّ ينفّرُه من هذه المرأة ويقول له أنّها قاسية، وبها نوع من عدم الحنان أو جفاف المشاعر.
مع أن هذه المرأة ممتازة وخيار رائع للارتباط وعندها كل المقومات لتجعل حياته أفضل وحياتها أيضا، إلا أنه كان في داخله حدس عميق أنّ هذا الخيار غير موفق. هذا مِثالٌ حدس قادم من نمط لاواعٍ أو من شعور نفسي دفين وعميق لم ينشأ في الظروف الصحيحة، ولكنّه مع ذلك بدا بالنّسبة لهذا الشابّ وكأنه إلهام داخلي يحميه من ارتِباط خاطئ أو لن يُحالفَه التّوفيق.
بالتالي، الحدس قد يكون صائباً وقد يكون مخطئاً، لأنه يأتي من نزعاتنا وأنماط شخصياتنا والأنماط التي اعتدنا عليها والأشياء الدفينة إما في تجاربنا أو في ما يوحي به الإعلام لنا أو في الأنماط الخفية التي تتشكل في حياتنا من خلال تأثيرات الإعلام والمجتمع والسياسة والفن والأدب والسينما. كلُّ هذه الأشياء قد نستبطنها ونستدخلها وتصبح تُوجِّهُ أحكامنا على الأشياء.
خُلاصة: ضرورة تغيير السّؤال
إذن، سؤال “هل عليّ أن أثق بحدسي أم ألا أثق به؟” علينا أن نغيرَه إلى: “لماذا أشعرُ بحدسٍ قويّ تجاهَ هذا الخيار؟”
الموضوع إذن ليس موضوع ثقة أو عدم ثقة بحدسي، بل فهم حدسي، بمعنى أنْ ألاحظ ردات فعلي العميقة وغير مفهومة الأسباب تجاه الأشياء والخيارات والقرارات، وأن أحاولَ أن أستكشفَ الأنماط التي تُشكّل ردّات فعلي العميقة ونزوعي القويّ تجاه خياراتٍ بعينِها دون أخرى.
بلغة أخرى، عليّ أن أبني هذه البصيرة insight والمِجهرَ الداخليّ لمراقبة وفهم أنماط تفكيري العميقة، فهل من طبعي أن أميل للخيارات الأكثر أمناً؟ أم من طبعي أن أميل للخيارات الأكثر إثارةً؟ هل أبحث عن الشيء الجديد دائماً؟ أم أبحث عن الشيء المستقر والمألوف؟ هل أميل لأتصرف أولاً ثمّ أفكّر؟ أم أفكر كثيراً ثم أتصرف؟
مثلاً، إذا كان لديّ نزوع عميق نحو ما هو جديد ومُثير novelty، وحدسي يُخبِرُني دائماً أن الشيء الجديد أو غيرَ المألوف إيجابي وممتاز، فعلي أن أفهم أنّ نقطةَ قوّتي هي تتبُّع الفرص الجديدة وعدمُ الرّهبة منها، لكن علي أن أفهم أن مسؤوليّتي تكمُنُ في تقصّي المزيد من المعلومات ومحاولة تشكيل صورة كاملة وموازنة عن الفرص الجديدة.
أما إن كنتُ على العكس، أيّ أنّ حدسي دائماً في اتجاه الخطر والخوف والتهيُّب، فعليّ أن أفهم أن هذا الذي أسميه حدسي ليس وحيًا ولا شيئًا عميقًا ولا صوتاً من عالم آخر يحذرني، بل هذا هو طبعي ونزوعي، وعلي أن أفهمه وعلي أن أوازنه بالتفكير الواعي العقلاني حول حقيقة هذه المخاوف ومدى عقلانيّتها، وهل هي مبرّرة ومنطقيّة أم هي مبالغاتٌ تفوّتُ عليّ الفرص وتُحجّمُ حياتي وخياراتي.


