ما الذي يجعلُ من شأنٍ ما موضوعاً نفسيّاً؟ وما الذي يجعلُ من العامل النّفسيّ في قضيةٍ ما أمراً مهما وجديراً بالحديث والبحث؟
في الاستخدام الشّائع، غالِباً ما يُستخدَمُ وصف “نفسيّ” للتقليل من وجاهة ومنطقيّة موقفٍ ما، فالمؤمِنُ يصفُ الإلحاد بأنّه موقفٌ “نفسيّ”، أي أنه نتيجةٌ لاعتِلالٍ ما، أو لظُروفٍ استثنائيّة غيرِ طبيعيّة، والملحِدُ يصِفُ الإيمانَ كذلك بأنّه موقفٌ نفسيّ، أي أنه نتيجةٌ لشعورٍ بالضّعف والاحتياج والرغبة في الالتجاء والحماية، لا موقِفٌ منطقيٌّ مبنيّ على أدلّة.
والنظريّة التي تفترضُها هذه المقولات هي أنّ هناك مستوى منطقيّاً مجرّداً خالِصاً من التحيّزات ومن الرغبات ومن التعلّقات البشريّة بأنواعِها المختلِفة، في مقابل مستوى نفسيّ، هو نتيجةٌ لرغبات الإنسان وانحيازاته ونزعاتِه وما إلى ذلك.
والحقيقةُ أنّ هناك مستوى من المنطق والرياضيات متجرّداً من رغباتِ الإنسان ونزعاتِه وأهوائه، لكنّ هذا المستوى مجرّدٌ إلى درجة أنه لا يُخبِرُنا الكثير عن القضايا الإنسانيّة الكبرى.
وما إن ندخلَ إلى الأسئلةِ الإنسانيّة الكبرى حتّى تدهمَنا مكوّناتُنا الأخرى، من وجدانٍ وعاطِفة ونزعاتٍ وجوديّةٍ عميقة. أي أننا ندخلُ دئارةَ “النفسيّ” شئنا أم أبينا كلّما دخلنا دائرةَ قضايا الإنسانِ الكبرى. فالإيمانُ نفسيٌّ دائماً بمعنىً ما، والإلحادُ نفسيٌّ دائماً بمعنى ما، وكذلكَ سائرُ الثنائيّاتِ البشريّ، فالفردانية موقفٌ نفسيّ، والجماعيّةُ موقِفٌ نفسيّ، والشّعور بالانتماء الوطنيّ أو القوميّ موقفٌ نفسيّ، والشّعور بالانتماء الكوني المتجاوز للقوميّات موقفٌ نفسيّ، والميلُ لليمين موقفٌ نفسيّ، والميلُ لليسار موقفٌ نفسيّ، والمحافَظةُ موقِفٌ نفسيّ، والليبراليّةُ موقِفٌ نفسيّ، وهكذا.
ولكنّ هناك مستوى ثالِثاً، فوقَ “المستوى المنطقيّ” و “المستوى النّفسيّ”، ألا وهو “المستوى العُصابِيُّ”، وهو ما يقصِدُه النّاس أحياناً حينَ يصِفون موقِفاً مشحوناً ما من قضيّة معيّنة بأنّه “نفسيّ”.
فالعُصاب كما استقرّ مفهومُه عبرَ التحليل النّفسيّ هو حالةٌ من الاضطِرابِ في تصوّرِ الشّخصِ للواقع أو لجزءِ منه، يُصاحبُها توتُّرٌ وجداني واحتِقانٌ انفِعاليّ. فمعَ أنّ المُصابَ بالعُصاب لا يصلُ إلى درجة الانفصالِ الذُّهانيّ عن الحقيقة والواقع، إلا أنّه يرى الواقِعَ من خِلال زُجاجٍ سميكٍ ومتعرّج، فهو يُقدِّمُ ويؤخِّر، ويُبرِزُ ويُهمّش، ويُبالغ في أجزاء ويتغاضى عن أخرى، فيرى نسخةً محوَّرةً عن الواقع، ويُصاحِبُ ذلك تأجُّجٌ عاطفيّ وتوتّر وعصبيّة.
فالموقِفُ العُصابيّ يحتاجُ إلى رؤيةِ الواقعِ بطريقةٍ ما ليُقلِّلَ من توتِّرِه تجاهَه، وهذا هو مبدأ الدّفاعات النّفسية التي تزدادُ كمّاً ونوعاً كلّما كانَ العُصابُ أكثر حِدّة. والموقف العُصابيُّ بالتّالي عاجِزٌ عن الدّخولِ في حوارٍ مثمِر، أو رؤيةِ المنظوراتِ الأخرى للقضيّة، أو الخُروجِ من المنظورِ المتحيّز القاصِر.
إذن، “النّفسيّ” جزءٌ أصيلٌ من كلّ موقِفٍ إنسانيّ ذي معنى، أما “العُصابيّ” فهو علاقةٌ غيرُ صحّيّة بين الذّات ونفسِها، والذّاتِ والموضوع.


