متلازمة المزيَّف .. لماذا نعيشُها وكيف نتخطّاها؟

متلازمة المزيَّف .. لماذا نعيشُها وكيف نتخطّاها؟

imposter syndrome

كثر الحديث في بيئات العمل وفي الأوساط المهنية وأحيانا الأكاديمية عن Imposter Syndrome. كثيراً ما تُترجَم إلى “متلازمة المحتال” وهي ترجمة لا نرتضيها، لأنّ كلمة “المحتال” تُشير إلى سلوك قصديّ مخالف للقوانين و/أو الأخلاق، أما مفهوم Imposter فهو يحاول التعبير عن نزاع نفسيّ يشعر به الإنسان حين يجد نفسه في موقع أو مركز ولا يطمئنّ إلى أنه يملؤه تماما، أو يشعر أنّه في ذلك الموقع والمركز بسبب صُدَف أو ظروف غير طبيعية، أو بسبب مهارات تواصليّة وتسويقية تغطّي على ثغرات في القدرات الحقيقيّة.

 

فمن أين جاءت هذه المتلازمة؟ وكيف نتعامل معها؟

 

علينا أولا أن نوضّح أن هذه المتلازمة:

  • ليست تشخيصا نفسيّا بالمعنى الطّبي، بل حالة نفسية اجتماعية يمرّ بها كثيرون.
  • تتعلق بالأشخاص الذي يكونون بالفعل على قدر جيد من المهارات والاستحقاق لمناصبهم ومواقعهم، لكنّهم يشعرون بالعكس. أي أننا لا نتحدّث عمّن هم في الحقيقة غير مؤهّلين أو أكفاء لمواقعهم.

 

والنقطة الثانية تطرح حالة طريفة، فالشخص يجب أن يكون بالفعل صاحب كفاءة ومؤهّلات لموقعه لكي يكون شعوره بالزّيف جزءاً من هذه المتلازمة. فقد يقول قائل: لو كنت أعرف حقيقةً أني مؤهّل، لما شعرتُ أصلا بالزّيف، بالتالي فنحن في حلقة مفرغة: 

أنا في الحقيقة كفء ومؤهّل —-> شعوري بعدم التأهيل والكفاءة جزء من حالة نفسية اسمها “متلازمة المزيَّف” —-> لكن كيف أعرف أن هذا الشعور ليس وعياً حقيقيّا صادقاً بأني غير مؤهّل —-> هل أنا مزيَّف بالفعل؟ أم أعاني من متلازمة المزيّف؟

 

بالتالي توجد حاجة لمؤشّراتٍ أخرى تساعدُنا على التقييم الواقعي وإجابة سؤال: هل أنا مزيّف؟ أم أعاني من متلازمة المزيّف؟

 

هل أنا واثق بنفسي في المجمَل؟

الأشخاص الواثقون بأنفسهم في المجمل من غير المتوقّع أن يُبالغوا في الشكّ بقدراتهم الحقيقيّة وبأهليّتهم لمواقعهم. بالتالي، إذا كان من طبع الشخص وسمته العام أنه واثق بنفسه، فهو على الأغلب قادر على تقييم قدراته الحقيقية بقدر معقول، وأقلّ عرضة لمتلازمة المزيّف.

أما الأشخاص الذين من سمتِهم أن يشكّوا بقدراتهم، وعاشوا في أكثر من سياق حالةَ الشكّ الزائد وغير المبرّر في قدراتهم، فهم أكثر عرضة لمتلازمة المزيّف.

 

هل أنا ناقد قاسٍ لنفسي في المجمل؟

يغلب على من يعيشون متلازمة المزيّف أن يكونوا من ذوي المثاليّة المفرطة والتوقّعات العالية من النفس، وأن يكونوا ممّن لا يقتنعون بحتميّة الفشل الجزئيّ والتعثّر من أجل التعلّم والتطوّر. كثيرٌ من هؤلاء يمتدّ هذا الطبع إلى طفولتهم، إذ يكونون ممّن تعرّضوا للنقد والتوبيخ على الفشل أكثر من التشجيع والمديح على النّجاح.

 

هل أنا ميّالٌ للتعميم؟

إذا كنتُ ممن يعتبِرون تعثّرَهم في امتحان واحد دليلاً على ضعفهم الدراسيّ في المجمل، أو بطئهم في التأقلم مع متطلّبات وظيفة ما دليلاً على أنهم بطيئو الاستيعاب عموماً، فهذا يعكس قابليّة عاليّة للتعميم، وبالتالي لتحويل التجارب إلى أحكام على النّفس، والقابليّة لمتلازمة المزيّف.

 

هل أنا ميّال للأحكام للقاطعة، أبيض أو أسود؟

كلّما ازداد ميلي للأحكام القاطعة والمساحات الواضحة، ونفوري من اللايقين والمساحات الرمادية، ازدادت قابليّتي لمتلازمة المزيّف، لأنّ هذا يعني قابليّتي لتحويل ما يحتمل الجدل والأخذ والردّ إلى حكم باتّ ونهائيّ، والإنسان أكثرُ ميلاً في العموم إلى إبراز السلبيّات negativity bias، وبالتّالي أكثرُ ميلاً إلى أن يكونَ حكمُه القاطع على نفسه وقدراته سلبيّا أكثر منه إيجابيّا.

 

هل أنا ميّال للتفكير الكارثي Catastrophizing؟

التفكير الكارثيّ يعني الذّهاب بالتجربة السلبيّة إلى أقصاها. مثَلاً، أخطأتُ في تقرير مهمّ في العمل، وتلقّيت إيميلاً يُبرِزُ ذلك ويدعوني للانتباه لهذه النقطة في التقارير المقبلة. إذا بدأت أتخيّل أن الجميع يتحدّثون عن خطئي، وأنّ سمعتي انهارت، وأنّ مصيري الإقالة والإهانة، وأنّ هذا سيعني ضعف فرصي المهنية لأني سأصبح حديث الوسط المهني … إلخ. من يكونُ هذا التفكير سمتهم العامّ في مواقف لا تستحقّ كلّ هذا، من المتوقّع أن يشعروا بالزّيف حتى في حالات العثرات البسيطة التي لا بدّ منها.

 

هل أنا ميّالٌ للتقليل من دور العلاقات ومهارات التواصل والتسويق في النّجاح؟

لدى كثيرين نفورٌ تلقائيّ من كلّ ما لا يعتبرونه المهارات الصلبة الملموسة التي يمكن قياسُها موضوعيّاً، إذ يعتبِرون كلّ ما عداها نوعاً من الخداع والتملّق والتسلّق. مثَلا، قد يعتبِرُ مهندس برمجة أنّ المهارة في البرمجة هي المحكّ الحقيقي لتقييم المبرمِجين، وأنّ كلّ شيء آخر، مثل العلاقات وسهولة الحديث عن الإنجازات والبراعة في تقديم النفس والقدرة على الحديث في الجامعات وتقديم عُروض ال powerpoint … كلّها عبارة عن خداعات واحتيالات وتغطيات على غياب المهارات الحقيقيّة.

من يعتقِدُ بذلك، قد يجِدُ نفسَه يشعر بأنّه مزيّف إذا ما تمّت ترقيتُه لمنصب إداريّ يتطلّب بعضَ هذه المهارات، لأنه يشعُرُ أنه يقوم بما يخالف هويّتَه المهنيّة التي بناها هو حول المهارات الصّلبة والقابلة للقياس.

لكن الحقيقة أنّ القيادة والتواصل وبناء العلاقات وتقديم السرديّة وحكاية الإنجازات كلّها مكوّنات أساسيّة صلبة في نجاح أي شركة أو مشروع أو مؤسّسة أو حركة اجتماعيّة.

بالتّالي، من المهمّ في الثقافة المؤسّسية وقبل ذلك في المدارس والجامعات أن تُعطى هذه المهارات حقّها من الوقت ومن الاعتبار المعنويّ ومن التدريب على امتلاكِها وإتقانِها. هذا من أهمّ الأسباب التي تجعلُ من تدريس الرياضة والفنون والمهارات التواصليّة والاجتماعيّة ركائز أساسيّة لمنظومات التعليم الناجحة، في مقابل المنظومات المتعثّرة التي تعتبرُها إضاعة للوقت.

 

ماذا سيكونُ حكمي على شخصٍ آخر يؤدّي مثلي تماماً؟

هذا السؤال يمكن أن يُضيء على الواقع لكثيرين، فهل الأمر مرتبط بي وبتكويني النّفسيّ؟ أم بتقييم حقيقيّ لأدائي وقدراتي؟ 

إذا كنتُ سأعتبِرُ شخصاً يؤدّي مثلي تماماً شخصاً مؤهّلا للموقع وجديراً به، فهذا يعني أنّ مخاوفي وشكوكي مرتبطة بي وبسيكولوجيّتي، لا بكفاءتي وقدراتي.

 

مفارقة الترقية

مهما كان الشخصُ مؤهّلا وذا كفاءة، فمن المنطقيّ أن يُواجه تحدّياتٍ في موقع جديد أو وظيفة جديدة. هذا هو الوضع الطبيعيّ، فلا أحدَ ينبغي أن يكون مؤهّلاً تماماً لدور جديد دون أن يتعلّم شيئاً ويواجه تحديات صعبة، اللهم إلا إذا كان موقعُه الجديد نسخة عن موقعه السابق، وهذا استثناءٌ نادر.

هنا نواجه ما يمكن أن نسمّيه “مفارقة الترقية”، فالتفكيرُ المنطقيّ يقتضي أن الترقية بحدّ ذاتها تعني أنّ الشخص ينتقل إلى موقع أعلى بمسؤوليّات أكبر وتحدّياتٍ أجسم، لكن على المستوى العاطفي غير المنطقيّ، كثيراً ما نتوقّع أن الترقية نوعٌ من المكافأة، وبالتالي نُفاجأ وجدانيّاً بالصّعوبة التي تنطوي عليها، رغم إدراكنا منطقيّاً لكون هذا هو الوضع الطبيعيّ.

بالتّالي، من المهمّ أن يستعين الشخص بتفكيره المنطقيّ حتّى يجدَ توازنَه الوجدانيّ الجديد. هذا يعني أن يقول الشخصُ لنفسه: أنا أعلم أنّي مؤهّل لهذا الموقع، ولديّ القدرات اللازمة، وأنا أواجه تحدّيات طبيعيّة جدّاً لولاها لما كان هذا الموقع ترقيةً أصلاً، وسأستقرُّ عاطفيّاً ووجدانيّاً في الوقت المناسب حين أجدُ توازني النفسيّ الجديد في الموقع الجديد.

 

خطأ التركيز على آلام النموّ وإهمال آماله

كما تتألّم مفاصِلُ الأطفال في المراهقة لأنّ عظامهم في طفرةِ نموّ، نشعر بالضّغط والتوتّر ونحن في موقع جديد ذي مسؤوليّات وتحدّيات جديدة. وكما أنّ ألم المفصل أكثرُ حضوراً في الذّهن من فكرة جماليّة النموّ والتقدّم في الحياة، من السّهل أن تتغلّب توتّراتُنا ومخاوفنا على آمال النموّ والتطوّر والتقدّم.

في كلّ تحوّل، نحن مجذوبون إلى العودة إلى الوضعِ الآمِن السابق. نحِنُّ إلى أمان البيت في أوّل يوم في المدرسة، ونتوقُ إلى بساطة المدرسة حين ندخُلُ الجامعة، ونفتقدُ ألفة الجامعة حين نواجه وحشة العمل والشركات والمؤسّسات، لكنّنا لا يُمكن بعد أن ننتقلَ للمرحلة الجديدة ونألفَها أن نقبلَ مجرّد احتمال العودة لسابقتِها.

بالتّالي، من المهمّ أن ندرك تماماً دورَ الوقت في إنضاج التجربة، وأنّ آمالَ النموّ أهم بكثير من آلامه المحدودة المؤقّتة.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة