في خطابات التوعية النفسية المنتشرة، قد يجد كثيرون أنفسهم في حيرة بين نظرتين مختلفتَين للمشاعر.
من ناحية، كثيراً ما نسمع عن ضرورة الاعتراف بمشاعرنا السّلبيّة، وأن حزنَنا وقلقَنا وغضبَنا وخوفنا وغيرتَنا وفقداننا للأمان النفسي وغيرها … كلّها مكونات أساسيّة فينا، وأنّ إنكارَها سيؤدّي إلى تفاقمِها وإلى تكوين تصوّرٍ سلبيّ عن أنفسِنا يعيقُنا عن النموّ والفعالية والمعنى.
ومن ناحية أخرى، كثيراً ما نسمع عن ضرورة السيطرة على هذه المشاعر، وأن اعترافنا بها ودعوة الآخَرين لاحترامها سيجعلُ منها جزءاً دائماً منّا، وسيحرمُنا من فرصةِ أن نتجاوزَها إلى حالةٍ أفضل، وسيصرِفُ جهدَنا إلى التبرّم والضّجر من عدم إحساس الآخرين بنا وتقديرهم لعالمنا الدّاخليّ، وسيرهَنُ سعادتنا وفعاليّتنا بتفهّم الآخرين لما نمرّ به.
والحقيقة أنّ هذه الحيرة سببُها مشكلةٌ في خطابات التوعية النفسيّة أكثرَ من كون الموضوع نفسِه محيِّراً أو ينطوي على تناقض لا يمكنُ حلُّه وعلينا بالتّالي أن نختار نظرةً معيّنة على حساب الأخرى.
خطابات التوعية النفسيّة في زمن السّوشال ميديا تعتمِدُ على الإيجاز والمبالَغة وخلق ردّة فعل قويّة لدى المستمع (سواء مع أو ضدّ الطّرح)، وبالتّالي فهي تعجز عن طرح الأفكار المركّبة ومتعدّدة الأوجه وذات السياقات.
ومن أهمّ ما تعجز هذه الخطابات عن إيصاله أنّ مفاهيم التعافي والنموّ والتعامل مع المشاعر والتجارب السّلبيّة كلُّها تخضع لثلاثة اعتباراتٍ أساسيّة:
1- خصوصية الشّخص: فلكلّ منا تكوين ونشأة وسيرة حياتية وطِباعٌ شخصيّة وطروف اجتماعيّة، وليس هناك قالبٌ واحد يناسب الجميع.
2- خصوصيّة اللحظة: فمفاهيم التعافي والعلاج والتعامل مع التجارب كلُّها تخضع لسيرورةٍ زمنيّة تتفاوتُ لأسبابٍ كثيرة، فالاعتِراف بوجود مشكلة أو شعور سلبيّ هو الأولويّة في مرحلةٍ ما، لكنّ التعاملَ أو النموّ أو التجاوز أو بناء تجارب جديدة هو الأولويّة في مرحلة أخرى.
3- خصوصيّة العلاقة: فهل نتحدّث عن ضرورة الإقرار بوجود مشكلة للمعالج النفسيّ؟ أم للشريك العاطفيّ؟ أم للعائلة؟ أم للأصدقاء؟ أم للسوشال ميديا؟ هذه دوائر مختلفة، وإشراك الآخَرين في عالمنا الداخليّ لا يخضع لمسطرة واحدة، والتناسب بين مسؤوليّتنا تجاه الأخرين ومسؤوليّتِهم تجاهنا يتفاوت من علاقةٍ لأخرى والتزامٍ لآخَر.


