هل التوازن بين العمل والحياة ممكن؟

هل التوازن بين العمل والحياة ممكن؟

لإجابة هذا السؤال، علينا أن نتعامل مع مجموعة من النقاط:

 

أولا: تحديد الغاية من العمل

فليس هناك غاية محدّدة من العمل تناسب الجميع، فبعضنا يعمل لتحصيل الرزق بالدرجة الأولى، وبعضُنا للمكانة الاجتماعية، وبعضنا للخبرة، وبعضنا للتواصل والمجتمع المشترك، وبعضنا للمعنى والغاية، وبعضنا يعمل لمزيج متنوّع مما سبق، وبالتالي فالاحتمالات كثيرة ويصعب حصرها.

 

ومن يعمل ليغيّر شكل تعامل الناس مع الحوسبة أو لإنشاء نموذج جديد في الرعاية الصحية أو لإنشاء أنجح مؤسسة مالية في بلده، لن يتعاملوا مع سؤال التوازن بين العمل والحياة بالطريقة نفسها التي يتعامل بها من يبحث عن وظيفة مستقرّة تلبّي احتياجات أسرته أو من يريد أن يقضي أكبر وقت ممكن في تطوير هواية أخرى.

 

ثانيا: تحديد مفهوم التوازن

هناك من يعني لهم التوازن أن تكون الأيام كلّها متوازنة، فإذا زاد ضغط العمل يوماً أو اضطرّ للتأخر عن نشاط اجتماعي يهمّه، يشعر أنّ التّوازن اختلّ وأن العمل يطغى على حياته.

وهناك من يعني لهم التوازن ألا يرافقهم انشغال البال من العمل إلى خارجه حتى لو اضطرّوا إلى قضاء وقت أطول، فطالما أنّ العمل يبقى في العمل، هم بخير وتوازن.

وهناك من يعني لهم التوازن أن يكون دور العمل في تفكيرهم وجهدهم محدوداً في العموم، حتى وهم في ساعات العمل، وإذا اضطّرّوا للتعامل مع مشكلات إضافية أو مهام جديدة فالتوازن اختلّ.

وهناك من يعني لهم التوازن أنّ الأمور تتوازن مع الوقت، فلا يمانعون أسبوعاً عصيباً ضاغطاً بساعات طويلة إذا كانت الأمور تهدأ بعدَها لبعض الوقت.

بالتالي، تحديد ما نعنيه بالتوازن وفهمنا له مهم جدّاً.

 

ثالثا: المرحلة العمريّة

كثير من الناجحين في مجالات مختلفة يركّزون على نقطة أنّ التّوزان شيء يتحقّق على مدى الحياة، لا في وظيفة واحدة أو مرحلة عمريّة، بمعنى أنّ التوازن هو أن تعمل كثيراً في الشباب وتحصّل الخبرة والموارد، وأن تركّز على الأسرة والأبناء وتبتغي قدراً من الثبات في منتصف الحياة المهنية ، وأن تعود لأدوار مهمّة تتطلّب الحكمة والخبرة بعد أن يكبر الأولاد، وأن تركّز على التعليم والمشورة ونقل خبرتك في التقاعد. التفاصيل ليست هي النقطة المهمة، بل فكرة أن التوازن هو أن تكون مسيرة حياتك متوازنة، لا أن تتساءل عن التوازن في كلّ مرحلة.

 

رابعا: التفريق بين غياب التوازن وبيئات العمل السيئة

قد تكون بيئة العمل ضاغطة ومستنزفة لأسباب لا علاقة لها بقضيّة التوازن، بل لأنّ المكان نفسه لا يعمل بصورة سليمة. كثيراً ما ننساق وراء تسميات نفسية، مثل غياب التوازن أو الاحتراق الوظيفي، لمشاكل إداريّة وتقنيّة في بيئة العمل.

 

خامساً: أهمية الدعم الاجتماعي والحوار المفتوح

قد يكون شعور أسرتنا أو أصدقائنا بغيابنا أو انهماكنا هو ما يدفعنا للتساؤل عن التوازن وغيابه، وقد يكونون محقّين أو مبالِغين، وقد نكون قصّرنا في توضيح طبيعة التزاماتنا وأهدافنا وأولويّاتنا. هذا الوضع قد يُنشئ حلقةً مفرَغة نحاول فيها نفي التقصير عن أنفسنا، بينما يتعاظم داخلَنا شعورٌ بأننا لسنا مفهومين أو مقدّرين، فيزداد الشعور الداخليّ بعدم التوازن ويقلّ الدعم الذي نتلقّاه. والحوار الصريح المفتوح ومشاركة الأولويّات والأهداف مع شبكتنا الاجتماعيّة عامل أساسيّ في تحقيق التوازن.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة