هل النّسيان شرطٌ لتجاوز تجاربنا السيئة؟

هل النّسيان شرطٌ لتجاوز تجاربنا السيئة؟

جميعُنا معرّضونَ لخوض تجاربَ سيئة في الحياة، تتراوح من صعوبات الحياة التي لا مفرّ منها، إلى تجارب سيئة بشكل خاص تتركُ أثرَها علينا زمناً، إلى تجارب كربيّة شديدة ينطبق عليها مفهوم “التروما” بمعناه الطبي.

 

وعلى امتداد هذا الطيف، نتساءل دائما عن علاقة الذاكرة بالتعافي والتجاوز، فهل الطبيعي والصحي أن ننسى؟ وإذا بقيت التجربة السيئة حاضرةً في الذاكرة، فما معنى هذا؟ ولماذا تبقى؟ وهل ينبغي أن يُقلقَنا ذلك؟

 

الذاكرة مكون أساسي من هويتنا، بل لعلها المكون الأساسي، فالذاكرة هي الامتداد الذي يربط ماضينا بلحظتنا الحالية بمستقبلنا. لو استيقظ أحدنا اليوم بذاكرة بيضاء تماما، فهو ليس هو، حتى ولو كان في الجسم نفسه.

 

وللذاكرة وظيفةٌ أساسية هي مساعدتنا على التعلم والبقاء. لنتخيل أننا لا نتذكر لسعة الإبريق الساخن. هذا يعني أن بقاءنا مهدد لأننا لا نتعلم من أخطائنا وتجاربنا.

 

لكنّ بعض التجارب سيئة جدا ومؤلمة للغاية إلى درجة استثنائيّة تجعلُ ذاكرتنا تحاول ألا تُسجّلَها. يحدث هذا مثلا في أحداث الحروب والحوادث العنيفة جدا وما شابه، فبعض من مروا بهذه التجارب يجدون صعوبةً حقيقة في تذكّر حدث محدد كانوا بالفعل موجودين فيه، والسبب هو أن الذاكرة تُقرّر أن تذكّر الحدث أكثر ألما وعبئاً من فائدة تسجيله بغرض توخي الحذر في المستقبل.

 

لكننا نتذكّر معظم التجارب السيئة بقدرٍ أو آخَر، وكثيراً ما يحصلُ أن التذكّر يُصبح عبئاً أكثر من كونه مفيداً.

مثلاً، قد تكون امرأةٌ ضحيةً لعلاقة زوجية سيئة للغاية، وتظلّ بعد العلاقة متجنّبة للرجال حتى الجيدين منهم، وتظل فكرة الارتباط برجل تسبب لها الكثير من التوتر والضيق.

ما يحصل في هذه الحالة وما يشبهها هو أن هناك مبالغةً في التذكر والتعلّم، فالذاكرة تُسرف في محاولة حمايةِ هذه المرأة إلى درجة أنها تحرمها من فرصة التجاوز.

 

ومن يمرون بهذه الحالة قد يظنون أن الحلّ في محاولة النسيان. أي أنهم يدركون أن التذكر يعمل ضد مصلحتهم، لكنهم يحاولون التعامل مع ذلك بطريقة خاطئة، ألا وهي محاولة النسيان.

 

ولأن دماغنا البشري مصمم على تقديم دفع المخاطر على تحصيل المنافع، يُقاوم الدماغ بشدة هذه المحاولة للنسيان، فيصبح الشخص أكثر توترا واستنزافا، وقد يشعر بقلة الحيلة والعجز.

 

والحل ليس في النسيان، بل في إعادة تنظيم الذاكرة.

 

ما نعنيه بهذا هو أن الذاكرةَ بحاجة إلى إعادة ترتيب، وهذا يحصلُ من خلال مسارين متناغمَين:

1- الاعتراف بالذاكرة المؤلمة، والتوقف عن محاولة نفيها أو إنكارها أو مقاومتها، والعمل بدلا من ذلك على تنقيتها من المبالغات والتعميمات والأحكام القاطعة والمواقف القصوى.

2- بناء تجارب جديدة تشعر فيها الذاكرة بالأمان والاطمئنان، وتتجاوز حالة التأهب الدائم للخطر.

 

وإذا سار المرء في هذين المسارين، تبدأ الذاكرة في التعافي، والنتيجة ليست النسيان، بل عودة الذكرى المؤلمة إلى حجمها الصحيح، بدلاً من كونها المهيمنة على كلّ محاولة للتقدّم في الحياة والنمو والتجاوز.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة