هل سلوك الطّفل أكثر صعوبة مع الأم؟

هل سلوك الطّفل أكثر صعوبة مع الأم؟

تنتشر في الثقافة العامة فكرة مفادها أن سلوك الطّفل أكثر صعوبة مع الأم، وأن الأطفال يقضون النهار يتفلّتون من القواعد ويختبرون الصّبر والحدود عندما يكونون مع والدتهم، لكنهم ينضبطون ويتأدبون أكثر عندما يكون والدهم حاضراً.. فهل هذه مجرد فكرة شائعة أم لها أصل؟

 

هذه الفكرة لا تخلو من حقيقة، إذ تظهر بعض الدراسات أنّ سلوك الأبناء ينضبِطُ أكثر مع والدهم، ولذلك تفسيرات محتملة لكنها غير مؤكّدة، منها:

 

  • تأثير أدوار الرّعاية/العمل:

تغيّرت كثيراً هذه الأدوار في كثير من المجتمعات، فكثيراً ما يكون الوالدان يعملان خارج المنزل، أو تكون المرأة هي من تعمل خارج المنزل. وفي الأسر التي تعمل المرأة فيها في المنزل والرّجل خارجه، يتشكّل نوع من الألفة والاعتياد مع الأم، والألفة والاعتياد تخلقُ مرونة في الحدود ومناطق النّفوذ، وهذا صحيح في جميع العلاقات الإنسانية. وكما سيتبيّن في النقاط اللاحقة، هذه النّقطة جوهريّةٌ في تأثيرها على بقيّة النّقاط.

 

  • الاختلاف في الحزم وتطبيق القواعد

 

بغضّ النّظر عن هوية الوالدة/ة، فالشخص الأكثر حزماً واتّساقاً في توضيح القواعد والضّوابط سيحظى بانضباطٍ أكبر، وهذا الشخص قد يكون الأم أو الأب. لكن من المهم ملاحظةُ أنه كلما زاد الوقتُ المقضيّ مع الأبناء، زاد احتمالُ أن يُصاب الوالد؟ة الذي يصاحبهم ب”كلال القواعد”، أي تضاؤل القدرة على ضبط الحدود دائماً وباتّساق، وهذا يُعطي الوالد/ة الأقلّ احتكاكاً بالأبناء أفضليّة ظاهريّة في الضبط، لكنها قد تتلاشى إذا انقلبت الأدوار.

 

  • شعور الطّفل بالأمان

 

فترات التمرّد أو فوران المشاعر أو الغضب أو البكاء ليست سيّئة بذاتها، فهي جزء من تجربة الطّفولة الطبيعيّة، وقد يكون ظهورُها أكثر مع أحد الوالدَين علامةً على شعور الطّفل بأمانٍ أكبر معه وقدرة أكبر على اختبار المشاعر والقواعد والضوابط. إذا كانت الأم تشهدُ هذا أكثر من الأب بقدر معقول وغير منفلت، فهذا قد يكونُ فرصةً لا خللاً، أي أنّ الطّفل يعتبر والدتَه مختبَراً للنموّ والتعامل مع جوانب متنوّعة في شخصيّته وفي المجتمع المحيط.

 

  • تأثير دورة اليوم

 

إذا كان الرجل يعود من العمل في آخر اليوم، فالأطفال قد استنفدوا سلفاً جزءاً كبيراً من طاقتهم على التمرّد وكسر القواعد. يحدث كثيراً أن يبقى الرجل -الذي يعمل خارج المنزل في العادة- مع الأبناء لفترة طويلة في غياب الأم، ثم يكتشف من خلال طول المدّة معهم أنّ قدرتَه على الضّبط ليست بمنأى عن التحدّي.

 

  • التخويف بالأب

 

قد تساهم الأم عن غير قصد في تعزيز هيبة الأب على حسابها حين تذكرُه كمقوّمٍ أكثر جدوى لسلوك الأبناء، فتوعُّدُ الأبناء بضبط أشدّ حين يعود الأب للمنزل قد يساهم بالفعل في تكوين انضباط أكبر بوجوده، والتصرّف الأسلم أن يكون الوالدان على موجةٍ واحدة فيما يستحقّ الضّبط وفي نوع الضّبط ودرجته، لا أن تكون الأم مرتبطةً بالضّبط الطفيف والأب بالضّبط المركّز.

 

  • نظام المكافأة:

 

كثيراً ما تأتي المكافأة مع الوالد/ة الذي يعود للبيت في المساء. إذا كان الرجل هو من يعمل خارج المنزل، فمن المهمّ أن يكون واضِحاً أن الهدايا والمكافآت وأغراض البيت عموماً تأتي من كلا الوالدَين وبجهدهما معاً، لا من الشّخص الذي يعود إلى البيت في المساء فحسب.

كما أنه من الشائع أن تكونَ عودةُ الأب من العمل إيذاناً بالذّهاب للمطعم أو زيارة الأصدقاء أو الخروج للتفسّح، فيما تكون بقيّة اليوم مع الأم للروتين المعتاد أو أداء الوظائف المدرسيّة.

 

بالتّالي، من المهم أن يكون بين الوالدَين حوار مفتوح وتنسيق للتربية بحيثُ تصلُ للأبناء فكرةٌ مفادُها أنّ الوالدان شريكان في التربية بكلّ مكوناتها، من ضوابط وتوجيهات ونظام للمكافآت والعواقب، بحيث تقلّ هذه التفاوتات إلى حدودها الطّبيعيّة التي تشكّل جزءاً من طبيعة الحياة.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة