هل من الطّبيعي التقلّب بين النشاط والفتور في العمل؟

هل من الطّبيعي التقلّب بين النشاط والفتور في العمل؟

هذا السؤال مهم ومتكرر ضمن علم نفس المؤسّسات Organizational Behavior، إذ كثيراً ما يتساءل العاملون في مجالات مختلفة عن التقلب المتكرر، والشديد أحيانا، بين النّشاط وقوة الحافز والدافعية للعمل، وبين فترات الفتور والهمود.

 

ولهذه الظاهرة أبعاد كثيرة، نتعرّض لبعضها.

 

أولا: التقلّب المزاجيّ كصفة تكوينيّة

فكما يتفاوت البشر في الطول والوزن وغيرها بشكل طبيعيّ، يتفاوتون كذلك في مدى ثباتهم أو تقلّبهم مزاجيّاً وانفعاليّا، وهناك أفراد قليلون على طرَفَي الطّيف، أي متقلّبون جدّاً أو ثابتون جدّاً، ويقترب أكثر الناس من وسط الطّيف.

بالتالي، من المهم للإنسان أن يفهم موقعَه التقريبي على هذا الطّيف، وكلّما كان الشخص أكثر تقلّباً مزاجيّا، صار من مصلحته -لنفسه أولا قبل أدائه المهنيّ- أن ينتبه لما يزيد التقلّب المزاجي كي يخفّف منه، ولما يزيد الثبات المزاجيّ ليركّز عليه.

 

وممّا يزيد التقلّب المزاجي:

– الإفراطُ في المنبّهات مثل القهوة (للقهوة فوائد صحية كثيرة، ونعني هنا الإفراط الذي يؤدّي عند بعض الناس لكثرة الانفعال والعصبيّة).

– خصومات العمل.
– عدم وضوح المهام والتوقّعات في العمل.

– غياب المنظومة الواضحة والبنية والروتين في العمل.

 

ومما يقلّل من التقلّب المزاجي:

  • النوم الجيّد.
  • الرياضة.
  • التفكّر meditation والحضور الذهني mindfulness.
  • الدعم الاجتماعي والعلاقات الجيّدة، في العمل وخارجه.

 

ثانيا: دورة المزاج في اليوم والأسبوع

 

يتوفّر دليل علميّ جيد على أنّ للبشر دورة مزاجيّة في اليوم، تعتمد كثيراً على دورة الصّحو والنوم، وعلى السّاعة البيولوجيّة الداخليّة. هناك تفاوت بين البشر، لكن عموماً، يميل مزاج البشر إلى أن يكون متدنّياً في الصّباح عند الاستيقاظ، ثم يبدأ في التحسّن التدريجي ليصل أفضل حالاته في وقت ما بعد الظّهيرة أو المساء المبكّر، ثم يتدنّى تدريجيّاً حتّى وقت النّوم. من المهمّ هنا أننا نتحدّث عن تفاوت طفيف في المجمل، لا عن تقلّبات حادة وقصوى.

بالتّالي، يميلُ  المزاج في طرَفي اليوم -الصباح الباكر والمساء المتأخر- لأن يكون أدنى من بقيّة اليوم، بالتّالي، من المهم تجنّب اتّخاذ قرارات مصيريّة أو معالجة قضايا شائكة في هذه الأوقات، ومن المهمّ معرفةُ ذلك لفهم بعض الفتور الذي يعتري كثيرين في أول ساعتين من العمل.

 

والأمر نفسه ينطبق على أيام أسبوع، وإن كان أكثر تأثّراً بالثقافات المحلّية وأنظمة العمل، حيث يميل الناس عموماً لتدنّي المزاج في أيام العمل، خصوصاً الأيام الأولى في الأسبوع، ويبدأ المزاج يتحسّن في منتصف الأسبوع وصولاً إلى عطلة نهاية الأسبوع، في يومِها الأول بالذّات.

 

بالتّالي، من المفيد معرفة هذا النمط لفهم أثره على نشاطنا وإنتاجيّتنا في العمل.

 

ثالثا: دورة التعلّم، التمكّن، التحفّز

وهذه المراحل الثّلاثة أقترحُها كنظريّة لتفسير العلاقة طويلة الأمد مع العمل والنّشاط فيه.

ففي الطّور الأول، طور التعلّم، يكون الاهتمام منصبّاً على فهم مكوّنات العمل واكتساب مهاراته، وهذا يستحوذ على ملَكات الإنسان الذهنية والانفعاليّة، وقد يجعلُه مشدوداً تجاه إتقان العمل وإثبات النفس إلى درجة يصعب معها الشّعور بالفتور، لكن قد تكون هذه الفترة عرضة للتوتّر والقلق والشّعور المتفاوت والمتقطّع بالصعوبة أو ضعف الكفاءة، وذلك حسب مدى تحدّي الوظيفة وصعوبة إتقان متطلّباتها.

 

أما الطّور الثّاني، طور التمكّن، فيتميّز بالاستقرار، وبالشعور المتزايد بالكفاءة والفعاليّة وملء المكان، وإذا كانت العوامل الأخرى في العمل إيجابيّة، تتميّز هذه الفترة بمشاعر إيجابيّة، من قبيل الاعتزاز بالقدرة على تجاوز مرحلة التعلّم واحتمال صعوبات التغيير والبيئة الجديدة، والشعور بالاقتدار والدُّربة والخبرة، ومن الوارد أن يبدأ بعض الفتور يجد طريقه للنفس في هذه المرحلة، نتيجة استقرار الإنسان نفسيّاً والهدوء الذهني والوجداني الذي يتزايد في هذه المرحلة.

 

أما الطّور الثالث، طور التحفّز، فهو الطّور الذي يكون عنده الإنسان قد اعتاد على إيجابيّات العمل وصارت جزءاً ممّا يراه الحالة الطّبيعيّة وربّما المستحقّة، وتُصبِحُ سلبيّات العمل أكثر لفتاً للانتباه، وقد يشعر الإنسان أنّ العمل لم يعدْ يستفزّه ليخرج أفضل ما لديه، وأنّه في حالةٍ من الاعتياد وربّما الملل.

وهذا الطّور يحتاج من الإنسان حالةَ تقييم واعية، فإذا غلب على تقييمه أنه يريد الاستمرار في العمل، فعليه أن يستحضر أهمّية الامتنان وأن يُبقي منظوره تجاه العمل في حالة توازن كي لا يقع في السّلبيّة وتضخيم المشكلات. أما إذا غلب على ظنّه أنه بحاجة لوجهة جديدة تستفزّ ملَكاته وقدراتِه وتُضيفُ له مادّياً أو معنويّا أو كليهما، فيبدأ السّعي في ذلك الاتّجاه.

 

رابعاً: مهام العمل والحالة الذهنية والمزاجية

في أيّ عمل، هناك مهامّ متنوّعة، ومما يفيد الإنسان أن يراقب نشاطَه في أداء هذه المهامّ المختلفة وأن يحدّد ما إذا كان من المفيد أداؤها في أوقات مختلفة أو في ظروف معيّنة.

عموماً، تنقسم مهامّ العمل إلى خمسة أنواع:

  • مهام رتيبة نمطية: مثل تصحيح الامتحانات، وإدخال البيانات، وتوزيع البضاعة إلى أماكنها، إلخ ..
  • مهام تحليليّة: مثل اكتشاف أسباب التأخّر المتكرر في جدول العمليّات في مستشفى، أو تحليل أداء أسهم الذكاء الاصطناعي، أو تحديد أنماط الاستهلاك لدى الزبائن في متجر كبير، إلخ.
  • مهام إبداعية: مثل كتابة الأوراق العلميّة، ووضع خطّة تسويق للشّركة، أو العمل على منتَج جديد، إلخ.
  • مهامّ اجتماعيّة: مثل الاجتماعات ولقاءات العمل والتواصل مع أولياء الأمور وخدمة الزبائن إلخ.
  • مهام إداريّة: مثل وضع الجداول وتقديم ملفّ الضّرائب والتعامل مع المخالفات وضبط النّظم واللوائح، إلخ.

 

وكثيرون يجدون من الصّعب على أنفسهم أن يقوموا بمهام إبداعية في الصّباح الباكر، ويفضّلون المهام الروتينيّة أو الإدارية، وآخَرون يجدون أنّ تواصلَهم مع الآخرين أفضل في وقت من اليوم عن سواه. هذا الوعي يُساعد في تنظيم مهامّ العمل، بالقدر المستطاع، وفق أفضل الأوقات والظّروف لتنفيذها، ويقلّل بالتّالي من الفتور.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة