ترتبطُ أدوارُ الأمومة والأبوّة في أذهاننا بالسّعادة والمسؤوليّة، ولعلنا لو سألنا أمّا أو أباً جديدَين عن شعورهما، فسيكون الجوابُ الأكثرُ شيوعاً هو أنّها تجربة رائعة، مليئة بالسّعادة، ومليئة كذلك بالشعور الكبير بالمسؤولية.
لكن هل يُمكن للأمومة والأبوّة أن توقِظَ فينا كروبَ طفولتِنا وتجاربَها السّلبية؟ وكيف نعرِف أنّ ما نمرُّ به يتجاوزَ الشعورَ الطبيعي بثقل المسؤولية وعِظَم الإمانة إلى إحياء آلامٍ ومخاوفَ قديمة تؤثّر سلباً على أبنائنا وعلينا؟
أشكال تأثير التروما على الوالديّة
يمكنُ للتروما التي تعرّض لها أحدُ الوالدَين أن تظهر في تربيتِهما للأبناء بطرقٍ مختلِفة، منها:
1– التّكرار:
أي أن يُكرّر الوالد/ة تجربةَ التروما، بأن يُهمِلَ أبناءه إذا تعرّض لإهمال جسيم، أو أن يبالغ في تعنيفهم إذا تعرّض هو لذلك، وأن يضربَهم إذا كان الضرب جزءاً من طفولته.
وهذا التكرار عمليّةٌ نفسيّة معقّدة، وكثيراً ما يصعُبُ فهمُها من خارجِها، وقد يبدو للبعض أن تفسيرَها ومحاولةَ فهمِها هو نوعٌ من تبريرِها، وهذا أبعدُ ما يكونُ عن الحقيقة، فالفهم جزءٌ من التغيير.
يحصلُ التّكرار بمزيجٍ من الوعي واللاوعي، فمن ناحيةٍ واعية، يُبرِّرُ من يُكرّرون تجاربَ طفولتِهم السلبيّة مع أبنائهم بأفكارٍ من قبيل “هكذا نشأتُ أنا وهذا جعلني صلباً” أو “هكذا نشأتُ وليس عندي مشاكل”.
لكن كثيراً ما يكون هناك مكوّن لاواعٍ معقَّد، فتكرارُ الشّخص لنمط تربيتِه قد يكونُ أهونَ عليه من أن يشعرَ بمشاعرَ سلبيّة تجاه والدَيه، فالتكرار يعني أننا نختارُ بشكلٍ لاواعٍ أن نتماهى مع والدَينا بدلاً من أن نشعرَ بشعور سلبيّ تجاهَهما. التماهي مع الأب القاسي أو الأم القاسية وتكرار نمطهما قد يمنَحُنا شعوراً بالقوة والسيطرة بعد أن شعرنا في طفولتِنا بالضّعف والانكشاف.
كما أن التكرار قد ينشأُ من رغبةٍ لاواعية في أن نُطبعِن normalize تجربتَنا نحن في الطّفولة، فليس من السّهل على أحد أن يقبلَ ثمّ يواجِه فكرةَ أنّ طفولتَه كانت سيّئة أو أليمة.
2– التعويض:
أي أن يندفع الوالد/ة في الاتجاه المعاكس تماماً لتجربته في الطفولة، محاولةً لمنع أيّ فرصةٍ لتكرارِ ما حدثَ معه هو في طفولتِه.
فالأمّ التي عانت من إهمال عاطفيّ جسيم قد تحاول أن تغرقَ أبناءها بالحبّ والدلال إلى درجة التعدّي على علاقاتهم مع أصدقائهم والغيرة من علاقاتهم العاطفية عندما يكبرون، والأب الذي عاني من التعنيف الشديد أو الضّرب قد يجدُ صعوبةً شديدة في الحزم وإرساء حدود التصرّف السليم لأبنائه، والأمّ التي تعرّضت لمحاولة لمس أثيمة من أحد الأقارب قد تتوتّر وتُستنزَفُ كلما غاب أبناؤها عن عينيها.
ومن المهمّ أن نتنبّه إلى أنّ تبرير “التعويض” أسهلُ بكثير من تبرير “التكرار”، خُصوصاً في زمننا الحاليّ، حيث يميلُ الآباءُ والأمهات تلقائيّاً في زمننا إلى الحماية المفرِطة والمبالغة في المراقبة والمتابعة، والنزوع الدائم إلى تجنيب الطّفل أيّ شعورٍ سلبيّ حتّى ولو كان جزءاً ضروريّاً من نموّه وتكوين مناعته النفسيّة.
بالتّالي، كثيراً ما يختفي “التعويض” تحت رداء “التربية الإيجابية” أو “التربية الحديثة”، وقد لا يجد الوالدان من ينبّههما عليه، بخلاف “التكرار” الذي يبدو مستهجَناً بقدرٍ أوضحَ بكثير.
3– التجنّب:
فالتجارب الكربيّة للوالدين في طفولتِهما قد تجعلُهما ينسحِبان من دور الوالديّة الوجدانيّ، ويكتفيان بأدائه ميكانيكيّاً، أي أنهما يوفّران المأكل والملبس والمأوى واحتياجات الحياة، لكنّها يعزفان عن التواصل الوجداني والارتباط العاطفيّ العميق مع أبنائهما.
كيف نعرف أنّ والديّتَنا متأثّرة فوق الحدّ المقبول بتجاربنا السّلبية؟
من المهمّ أن نتذكّر دائماً أنّ والديّتنا ستتأثّرُ قطعاً بتجاربِنا في الطّفولة وبالطّريقة التي تربّينا عليها، فتربيتُنا نحن تظلّ حاضِرةً في تكويننا وعلاقتِنا بأنفسِنا ومن حولنا، خصوصاً أبنائنا.
ومن المهمّ أن نتذكّر دائماً أنّ لنا تكوينا شخصيّاً وسماتٍ شخصيّة ساهمت طفولتُنا في تشكيلِها، لكنّ جزءاً كبيراً منها يأتي من جيناتِنا، وكذلك من تجاربَ خارجةٍ عن نطاق سيطرة والدَينا، مثل الحروب والأزمات الاقتصاديّة وطبيعة الحياة الاجتماعية والأعراف والعادات والثقافة السائدة.
ومن المهمّ أن نتذكر دائماً أنّه ليس هناك كتيّب إرشادات كامل وقاطع في كلّ تفاصيل التربية، فهي تجربةٌ إنسانية عميقة لا يُمكِن -وليس جيّداً- أن نحوّلَها لتجربةٍ مخبريّة.
بالتّالي، ليس هدفُنا أن نصلَ لنمطٍ واحد ووحيد وموحّد في التربية، فالأمّهات والآباء سيظلّون بشراً متفاوتين مختلفين، وكذلك الأبناء. وكذلك ليس هدفنا أن نتخلّصَ تماماً من تجاربنا وُصولاً إلى نمطٍ صافٍ مُعقَّم من التربية.
بل الهدف أن نحقق الغايات الكبرى في التربية (الصّلاح الخُلُقيّ والنّجاح العملي والسّواء النفسي) وأن نتجنّبَ الأخطاءَ الجسيمةَ، وأن نوسّعَ ونزيدَ ونحسّن من كلّ ما هو إيجابيّ، وأن نحصُرَ ونُعالِجَ ونتجاوزَ ما هو سلبيّ.
وفيما يلي بعضُ المؤشّرات الأساسيّة على أنّ والديّتَنا متأثرةٌ سلبيّا فوقَ الحدّ المقبول بتجاربنا نحن:
1- السّلوكيّات السّلبية الواضحة، مثل الضّرب والتعنيف الدائم والإهمال الجسيم.
2- صعوبة التعامل مع سلوكيات الأطفال الطبيعية، مثل البكاء والصراخ والعناد والتبول اللاإرادي، وأن تؤدّي هذه السلوكيات بشكل متكرر إلى فقدان الوالد/ة للسيطرة على النفس، بالانفعالية المفرطة أو الصراخ المنفلت أو الانسحاب من المكان أو رمي الأشياء.
3- غياب شعور الوالد/ة ب “الأمان الوالديّ Parental Security” أي بإمكان وطبيعيّة أن يُخطِئا ويعترفا بالخطأ ويصحّحا في المرّات المقبلة، بل يلجآن عوضاً عن ذلك إلى المكابَرة والإيغال في الخطأ، أو الانهيار التامّ والشعور بعدم الصلاحيّة للوالديّة وبأن أخطاءَهما البسيطة كوارث لا يمكن إصلاحها مهما حاولا.
4- غلبة المشاعر السّلبية على دور الوالديّة وغياب شعور الحبّ الحقيقي تجاه الأبناء. فمن الطّبيعي جدّاً أن يشعر الوالد/ة بالضغط والمسؤولية والتوتّر والإعياء، خصوصاً في بداية دور الوالديّة، لكن من غير الطّبيعي أن تتضاءل تماماً أو تنعدم المشاعر الإيجابيّة، مثل حب الأبناء والسعادة بوجودهم والفرح بنموّهم.
5- غياب العلامات الأساسيّة للارتباط العاطفي السّليم، وهذه كثيرة لكن من أهمّها الأريحية في التواصل البصري المباشر لمدّة طويلة، والأريحية الجسديّة مثل الإمساك باليد والاحتضان والتقبيل، والتناغم العاطفي attunement بالشعور بحزن الطفل وبفرحه، والافتقاد المتوازن، أي الشعور بوجود الطفل وتَحرُّك المشاعر في غيابه بالشّوق والافتقاد الجميل، وعدم الشّعور باللامبالاة التامّة أو بالهياج المتوتّر في غيابه.
6- الملحوظات السّلبية المتكرّرة من المحيط الاجتماعي الموثوق، فكثيرٌ من آثار التجارب السّلبية تحصلُ بشكل لاواعٍ كما ذكرنا، وبالتّالي قد يصعُبُ على الوالدة/ة ملاحظتُها، وبالتالي فملحوظات المحيط الاجتماعي الحريص والموثوق مهمّة إذا تكرّرت وتواترت.
7- تراجع مؤشّرات صحّة الطّفل النفسيّة والجسديّة، مثل ظهور مشاكل متكرّرة في النوم، أو البكاء المتواصل، أو الانعزال الملحوظ، أو العزوف عن الأكل، أو العدوانيّة. هذه المؤشّرات لها أسباب مختلفة، ومن المهم التأكد أنّ الطفل لا يتعرّض لمشكلة في المدرسة أو اعتداء، وإذا استُثنيَت هذه الاحتمالات فمن الممكن أن تكون مؤشّراً على خلل جوهريّ في التربية.
8- تحوّل الطّفل إلى دور الوالديّة، أي أن يُصبح الطّفلُ هو من يحاول احتواء الوالد/ة، وأن يقوم هو بدور التهدئة وتنفيس المواقف والإفراط في الاعتذار حتّى عمّا ليس خطأً أو لا يستحقّ الانفعال الشديد من الوالد/ة. بطبيعة الحال، من المهم والصّحّي أن ينموَ تقديرُ مشاعر الآخرين والإحساس بهم عند الطّفل، لكن من غير الصّحّي أن تنقلبَ الأدوار.
ماذا أفعل؟
إذا ظهرت هذه المشكلات عند الوالد/ة، فهناك حاجةٌ إلى تغييرٍ إيجابيّ في علاقة الوالد/ة مع النّفس ومع الأبناء. هذا التغيير يعتمِدُ على بناء مجموعةٍ أساسيّة من المشاعر والقناعات والسّلوكيّات، وهي ما ستتم مناقشته في المقالة القادمة.


