تحظى الصّحّة النّفسيّة بمساحةٍ واسِعةٍ من الحديث العام في هذا الزّمن، وهذا يشمل وسائل الإعلام والسوشال ميديا والبودكاست وأشكال المحتوى الإلكتروني على اختلافها وأحاديث النّاس في المجتمع.
ومثل أيّ موضوع، هناك طرقٌ بنّاءة ومفيدة للحديث فيه، وهناك طُرُقٌ ضارّة وهدّامة وتأتي بنتائج عكسيّة ..
نُحاولُ هنا أن نمرّ على أهمّ الطّرق الهدّامة والضّارة في الحديث عن الصّحة النفسيّة
الغرائبيّة
وهي البحث عن الحالات الطّبيّة الغريبة والاستثنائية، والمتلازِمات syndromes النّادرة، وتقديمُها باعتبارِها هي علم النفس، أو هي ما يُمثّل مجال الصّحة النفسيّة.
هذا الأسلوب قد يجتذب بعض المشاهدات، لكنه يرسخ صورة خاطئة عن علم النفس تصوّرُه عالَماً من الغرائب والعجائب، وهذا ليس صحيحاً أبدا ..
علم النفس والصّحة النفسية جزء من تجارب الناس اليوميّة وحياتهم المعتادة، والحديث عن القضايا التي ترتَبِط بالشائع والمنتشِر وتقديمُها بصورة قريبة ومفيدة أهم بكثير من الغرائب والطرائف والاستثناءات.
التّخويف
للأسف، يعتمِدُ الانتشار في السّوشال ميديا على إثارة الخوف والقلق والغضب، وحتّى كثيرٌ ممّن يُقدّمون محتوى مفيداً يشعُرونَ أنّ عليهم تغليفُه بعناوين مخيفة أو مُقلِقة، تُشعِر المتلقّي أنّه في خطر أو أنه لا يقومُ بشيء أساسيّ أو أنه فاته الكثير لأنه لا يفعلُ شيئا ما ..
ومع أن هذا الأسلوب قد يجتذب المتلقّي ويُبقيه مشدوداً لبعض الوقت، إلا أنه يؤدّي إلى الكلال والضّجر بعد فترة، فلا أحد يستطيع أن يعيشَ تحت وطأة الشّعور الدّائم بأنه مقصّر في حقّ نفسه أو أنه يفوتُه الكثير ..
والإنسان عموما لديه طاقة محدودة على التغيير، وعليه أن يُحدد الأولويّات فيما يُمكنه تحسينُه من حياته، فللبشر محدودية وعليهم التزامات ومتطلّبات ..
تحويل الطّبيعي إلى مَرَضِيّ
للتجربة البشرية مدى واسع، ويختلف الناس كثيراً في استجاباتهم للضغوطات وتعاملهم معا .. والملل والحزن والألم والغضب والخوف والقلق والغيرة والانكسار وغيرُها من المشاعر السّلبية كلُّها ضمنَ نِطاق ما يمرٌّ به الإنسان، على تفاوتٍ كبيرٍ طبعاً ..
ومن الطبيعي أن البشر، والأطفال من ضمنهم، يتفاوتون في انتباههم واجتهادهم ونشاطِهم ورغبتِهم في التواصل وقدرتهم على بناء العلاقات ..
ومن الطّبيعي أن البشر يتفاوتون كثيراً في الشّدة واللين، والوفاق والعناد، والصّبر ونفاد الصّبر، والطموح دائماً للمزيد والاقتناع بما لديهم، والانفتاح على الآخرين والانكفاء على أنفسهم ..
المَرَضيّ هو الاستثناء، وليس الأصل ..
ترسيخ الأنانيّة
لا يُريدُ بك الخير من يُقنِعَكَ أنك المقياسُ لكلّ شيء، وأنّ رضاك أو راحتك هو المعيار النهائيّ .. علمُ النفس يبحثُ في الفرد، لكن علاقة الفرد بالآخَرين جزء أساسيّ من الفرد .. جزءٌ أساسيّ من تكوينه ومن سُلوكه ومن تفكيره ومن سوائه النفسيّ ..
وعلاقةُ الإنسان بأيّ شيءٍ خارجَه ليست مُباشِرة ولا بسيطة .. علاقتُنا بأهلِنا وبمن نحبّ وبالمجتمع وبالمنظومات الفكريّة والقيمية والاقتصادية وسواها تتّسم بالتعقيد ومن النادر أن تكونَ علاقة قبولٍ تامّ أو رفض تام ..
بالتّالي، تقومُ الحياة السّوية على الموازنات والمُقارَبات وتحديد الأولويّات وإدارة التبايُنات .. جعلُ أنفسِنا ورضانا مقياساً نهائيّا للأشياء هو الطّريقُ للتعاسة والبؤس، لا السّعادة والرّضا ..
القولبة
كثير من الحديث عن علم النفس يضع البشر في قوالب ويُعطي الانطباع أنّ هذه القوالب محكمة الإغلاق، واضحة تماماً، ونهائيّة .. وهذا يوصِلُ فكرة مفادُها أنّ الإنسان بلا حرّية اختيار، وتتحكّمُ مكوّناتُه النّفسيّة فيه تماماً، وأنّه لا يستطيعُ أن يتصرّف إلا بما تُمليه عليه هذه المكوّنات ..
نجِدُ هذه الفكرة تتكرّر عند الحديث عن أنماط الشّخصيّة، وأنماط الارتباط العاطفيّ، وبعض الأمراض النفسية، وغيرها ..
هذه القولبة تُستخدَمُ أحياناً ضدّ الأخَرين، مثل أن يعتقد أحدُهم أنّ نمطَ الارتباط العاطفيّ عند زوجته هو النمط الفلاني، وبالتّالي فلا أمل من التوافق معها ..
لكنّ هذه القولبة تُستخدَمُ أحيانا ضدّ النّفس، مثل أن يَقولَ أحدهم: أنا عندي ADHD وبالتالي عليكم أن تتعامِلوني بالطريقة الفلانيّة، وأن تتوقّعوا مني كذا وكذا، ولا تتوقّعوا منّي كذا وكذا ..
هذه القولبة خاطئة علميّاً، وضارّة عمليّاً ..
خاطئة علميّاً لأنّ أكثر الصّفات والسّمات والاضطرابات التي يتعاملُ معها علمُ النّفس والطّبّ النفسي عبارة عن طيف واسِع، فهي ليست حالات ثُنائيّة -مثل أنّ المرأة إما حامل بطفل وإمّا لا- ولا وُجودَ لخيارات أخرى أو طيف من “لا” إلى “نعم” .. بل هي طيف متّصل، وهناك مساحة طويلة من الانطوائيّة المفرِطة التي لا يرغب ولا يستمتِع الشّخص فيها بأيّ علاقات اجتِماعيّة ويُشعِرُه وُجود الآخَرين بالتوتّر والاستنزاف، إلى الانبساطيّة المُفرِطة التي يألَفُ فيها الشّخصُ جميعَ الناس بسرعة، ويندفعُ في العلاقات الاجتماعيّة، ولا يأنَسُ إلا بوجود الآخَرين ..
وضارّة عمليّا لأنّ الهدف من دراسة النّفس الانسانيّة ومكوّناتها واضطراباتِها أن نوسِّعَ مساحة حريةِ اختيارِنا ونزيد من قدرتِنا على أن نكونَ بَشَراً أكثرَ فعاليّة وصحّة وخيراً لأنفسنا وللأخَرين .. مَثَلاً، حين أفهَمُ أن نمطَ ارتباطي العاطفي يجعلُني أقلّ انتِباهاً لأهمّيّة التعبير عن الحُبّ لشريكي، فهذا ينبَغي أن يدفعَني لبذلِ جُهد أكبرَ في التّعبير، وليس للقول: هذه طبيعَتي ولن أغيّرَها وعلى شريكي أن يتعاملَ مع ذلك ..


