لعلّ هذا من أهمّ الأسئلة التي يسمعُها الطّبيب النفسيّ وأكثرها شيوعاً، وهو من الأسئلة التي تظلُّ حاضِرة في المجتمَع، لأهميةِ السّؤالِ بالدّرجةِ الأولى، لكنّ شُعورَ النّاس أنّهم لا يسمَعون جواباً شافِياً يُساهِمُ في بقاءِ هذا السّؤالِ مُلحّاً وحاضِراً.
الظّواهرُ النّفسيّة، ومنها الاكتئاب، متعدّدةُ الجوانب، فلها جانبٌ بيولوجيّ متعلِّقٌ بالجسم والدّماغ والجينات والنّواقل العصبيّة، ولها جانبٌ نفسيّ متعلّقٌ بالطّباع والتّجارب الخاصّة وتكوين الشّخصيّة، ولها جانِبٌ اجتِماعيٌّ متعلّقٌ بالعلاقات والمُحيط والثّقافة والرّوحانيّة وغيرِها.
وحتّى الجانبُ البيولوجيّ، مع أنّهُ مرتبِطٌ بتكوين الجسم والدّماغ، إلا أنّه ليس سهلَ القِياسِ والرّصد. فإذا كُنّا نقيسُ ضغطَ الدّم وتركيزَ السُّكّر وهرمونات الغدّة الدرقيّة بسُهولةٍ ويُسر، فالأمرُ ليسَ كذلك في المكوّن البيولوجيّ للاكتئاب، فليسَ عندَنا جيناتٌ محدّدة يؤدّي وجودُها لحُصولِ الاكتئاب، ولا عندنا تركيزٌ معيّن لناقلٍ عصبيّ ما لنعتمِدَ عليهِ في تشخيصِ الاكتئاب.
وفوقَ ذلك، لا يعيشُ المكوّنُ البيولوجيُّ معزولاً وحدَه، بل هو يؤثِّرُ ويتأثَّرُ بالعواملِ النّفسيّةِ والاجتِماعيّة، ولا يعملُ مستقِلّاً عنها.
كُلُّ هذا يجعلُ تشخيصَ الاكتئاب مُعتَمِداً على تقييمٍ كُلّيّ متعدّدِ الجوانب، لا على رقمٍ معيّن أو قيمةٍ مخبريّة أو شيءٍ نراهُ على صورةِ الأشعّة.
لكن، هل يعني هذا أنّ الاكتئاب شيءٌ نسبيٌّ تماماً؟ أو حالةٌ غامِضة لا يُمكِنُ للدّقّة الطّبيّة أن تتعاملَ معها؟
لا بالطّبع، فهُناكَ مقاييسٌ للأعراض ومدّتِها وشدّتِها، وهناك سيرةٌ مرضيّةٌ يستكشِفُها الطّبيبُ بتأنٍّ، وهُناك تغيُّراتٌ ملحوظةٌ بالمُقارَنةِ مع حالةِ الشّخص قبلَ وُقوعِ الاكتئاب، وهُناك الفحصُ المدقّقُ الذي يَقومُ به الطّبيب للحالةِ النّفسيّة والوجدانيّة والذهنيّة التي يمرُّ بها الشّخص، وهُناكَ أحياناً المعلوماتُ الرّديفةُ التي يُقدِّمُها الأهلُ حولَ مُلاحظاتِهم ومُشاهداتِهم.
ولربّما كانتِ الأمورُ لتكونَ أسهلَ كثيراً لو كان هناك بالفعل فحصٌ مخبريٌّ أو صورةُ أشعّة، لكنّ الظّواهِرَ المعقّدةَ لا تنصاعُ، للأسف، لرغباتِنا في أن تُصبِحَ أبسطَ وأسهل، بل تتطلّبُ منّا أن نتعامَلَ معَها وفقَ تعقيدِها وكما توجَدُ في الواقِع، وأن نُطوِّرَ من معالجتِنا لتتناسبَ مع تعقيدِها وتعدُّدِ وجوهِها وعواملِها، أمّا الإصرارُ على أن تُبسِّطَ هي نفسَها من أجلِنا فلن يُقرِّبَنا من فهمِها والتّعامُلِ معَها.
ومع إبقاءِ كلّ هذه النّقاط حاضِرةً في ذهننا، بمقدورِنا أن نتلمّسَ مجموعةً من العواملِ التي تُساعِدُنا في رسم معالِمِ المسافة الشّائكة بين الحُزن العاديّ وبينَ الاكتئاب العِياديّ:
- الشّدّة: فالاكتئابُ مُقعِدٌ وشديدُ الوطأة، ويتميَّزُ بالثّقَلِ والهُبوط والشّعور بالعجز، ومشاعِرُ الحزن جزءٌ أساسيّ من الكثيرِ من حالاتِ الاكتئاب. أما الحزنُ الذي ليسَ جزءاً من اكتئاب أو مُصاحِباً لاكتئاب، فهو حالةٌ وجدانيّة، لا تتميّزُ بالثّقل والهبوط والعجز وانحِدار الطّاقة.
- المُدّة: فالحزنُ غالِباً مُرتَبِطٌ بمؤثِّرٍ ما، ويُمكِنُ عُموماً للشخصِ ومحيطِه تقديرُ المسارِ المعقول له، فهُناك مسارٌ متوقَّعٌ للحزن على فواتِ فرصة مهنيّة، ومسارٌ مختلِفٌ تماماً للحزن على فقد صَديق أو فردٍ من العائلة. كُلّما بدا مسارُ الحزن أكثرَ طولاً وشِدّة ممّا يتوقّعُه الشخص من نفسِه ومُحيطُه الدّاعمِ منه، زادتِ الفرصة لكونِ الحزن قد أصبحَ اكتئاباً.
- العنايةُ بمن يعتَمِدُ وجودُهم علينا: فالحزن، حسب سببِه ومِقدارِه وقُربِ سببِه زمنيّاً، يؤثِّرُ بلا شكّ على عنايتِنا بمن نحبّ ومن يعتمِدونَ علينا، لكن إذا تجاوزَ الأمرُ ذلك إلى عجزِ الشّخص عن العنايةِ بالمقوّماتِ الأساسيّة لوجودِ من يعتمِدونَ عليه، أطفالِه خُصوصاً، فهذا مؤشِّرٌ على احتِمال وجودِ اكتئاب.
- الحزنُ المصحوبُ بغضب أكثرُ احتِمالاً أن يتحوّلَ لاكتئاب: فالغضبُ دائماً مؤشِّرٌ على شُعورٍ آخَرَ تحتَه، مثل الشّعور بالظّلم أو العدوانيّة أو الحسد أو الخيانة. مثَلاً، الزوجةُ تحزَنُ على زوجِها إذا توفّي بالسّرطان، لكنّ الحزن على وفاتِه بسببِ طيشِ سائق مُراهقٍ هو حزنٌ مشوبٌ بكثيرٍ من الغضب، بسبب الشّعور العارم بالظّلم والغمط.
- العجزُ عن الشّعورِ بأيّ نوعٍ من المشاعرِ الإيجابيّة: فالحزن وحدَه يترُكُ مساحةً تتزايَدُ مع الوقت للتّجاوُز والأمل والمسرّاتِ البسيطة، لكنّ الحزنَ المصحوبَ باكتئاب كثيراً ما يَحولُ دونُ أيّ قُدرةٍ على الأمل أو التّسرية عن النّفس أو رؤيةٍ شيءٍ مُشرِق ومُبشِّر.


