تتكوّنُ أيّةُ حالةٍ نفسيّة من ثلاثة مكوّنات: مكوّن ذهنيّ، ومكوّن وجداني، ومكوّن سُلوكيّ.
والثّقةُ بالنّفس حالةٌ نفسيّة، وتتكوّنُ بالتّالي من المكوّناتِ الثّلاثةِ نفسِها:
- مكوّنٌ ذهنيّ: وقوامُه أفكارٌ وإدراكاتٌ من قبيل “أنا أملأُ مكاني” أو “أنا أهلٌ لما أتطلَّعُ إليه” أو “أنا مُتقِنٌ لما أقومُ به” أو “أنا أستحِقُّ ما حصّلتُه” أو “أنا قادِرٌ على أن أصبِحَ أفضل” وهكذا.
- مكوّنٌ وجدانيّ: وقِوامُه الشّعور العميقُ والصّادقُ بالاطمئنان إلى كفاءة النّفس وقُدرتِها وأهليّتِها وجدارتِها.
- مكوّنٌ سُلوكيّ: وقِوامُه النّهوض للقِيامِ بالمهامّ، وترشيحُ النّفس للأدوار والمواقِعِ المأمولة، وعدمُ التّراخي أو الوهن أو العجز بسبب التخوّفِ أو التوجُّس أو التقليل من قيمةِ النّفس.
هذه الحالةُ النّفسيّة قد تقترِبُ من الواقعِ الحقيقيّ أو تبتَعِد، فالشّخصُ قد يكونُ لديهِ من الثّقةِ بنفسِه ما لا تبريرَ له في الواقِع، وهذا قد يَكونُ اغتِراراً بالنّفس أو جهلاً بها أو نرجسيّة أو جُنونَ عظمة.
وقد يكونُ لدى الشّخصِ الكثيرُ ممّا يُبرِّرُ له أن يَكونَ واثِقاً بنفسِه، لكنّه دائماً ما يغمِطُ نفسَه حقَّها، ويُقلِّلُ منها، ويُحجِمُ عمّا هو جديرٌ به ومُستحِقٌّ له وقادِرٌ عليه. حديثُنا في هذا المقالِ موجَّهُ لهؤلاء.
هناكَ مجموعةٌ من الأشياءِ التي يُمكِنُ أن تُساعِدَ في هذا المسعى، وسيُلاحِظُ القارئُ أنّ لكلٍّ منها علاقةً ببعضِ أو جميعِ المكوّناتِ الثّلاثةِ التي ذكرناها، أي الذّهنيّ والوجدانيّ والسّلوكي.
من هذه الأشياء:
- الاستِفادةُ من المقاييسِ المُحايِدة إن وُجِدت: فإذا كُنتُ أكاديميّاً أو رياضيّاً أو صاحبَ مهنة، فهُناكُ مقاييسُ مُحايِدة وعلى قدرٍ من الموضوعيّةٌ متعدّدة للنّجاح والكفاءةِ في هذه المجالاتِ، فالأكاديميُّ يَقيسُ كفاءَتَه بعمقِ اطّلاعِه وأصالةِ أبحاثِه وتقييماتِ طُلّابِه وغير ذلك، وهناكَ مقاييسُ شبيهةٌ للمجالاتِ المختلِفة. إذا كانتِ المقاييسُ المُحايدة تُشيرُ إلى الكفاءةِ والاقتِدار، فهذا ممّا ينبَغي أن يدعمَ الثّقة الصّادِقةَ بالنّفس.
- مُراعاةُ التنوّع في مقاييس الكفاءةِ والاقتِدار: فحتّى في المجالِ الواحد، هُناكَ مقاييسُ متنوّعةٌ للكفاءة. مثَلاً، بعضُ الرّياضيّين يتميّزُ في القوّة، وبعضُهم في المُرونة والتحمُّل، وبعضُّهم في المهارة، ومن النّادرِ جِدّاً إلى المستحيلُ أن يكونَ المرءُ متميِّزاً على جميعِ المقاييس، بل ينبَغي لهُ أن يُدرِكَ ما هو متميِّزٌ فيه، وأن يُقدِّرَ ذلك، ويُطوِّرَه، بدلاً من أن يجلِدَ ذاتَه وفقَ مقاييسَ أخرى.
- الأخذُ فقط بتقييمِ من يستحقّونَ ذلك: فليسَ كُلُّ إنسانٍ قادِراً على تقييمِنا، بل القادِرونَ على ذلكَ قِلّة، والتقييمُ الصّادِقُ يتطلَّبُ شرطَينِ لا غنى عنهُما، هما المعرِفةُ الجيّدةُ بمجالِ التّقييم، والنّزاهةُ والتجرّدُ من الأغراضِ والأطماع. إذا كُنتُ شاعِراً مثَلاً، فمن يستَطيعُ تقييمَ ما أكتب ينبَغي أن يكونَ له معرِفةٌ جيّدةٌ بالشِّعر، وألا يكونَ حاسِداً مُغرِضاً ولا مُجابِياً صاحبَ مطمَع، بل نزيهاً متجرِّداً في الحكم.
ومن المُحزِنِ أن ترى كثيرين يُعانونَ ويتألَّمون وتهتزُّ ثقتُهم بأنفسُهم لمجرّدِ أن شخصاً مجهولاً قلّلَ منهم أو استهانَ بهم. ينبَغي للمرءِ ألا يعبَأَ قدرَ الإمكان بمن لا كفاءةَ تؤهِّلُهم للحُكم والتقييم، وبمن لم تُعرَفْ نزاهتُهم وتجرُّدُهم.
- الثِّقةُ تترسّخُ بالتعوُّدِ والممارَسة: فالثّقةُ بالنّفسِ ليست حالةً ثُنائيّةً، إما توجَدُ أو لا توجَد، بل هي حالةٌ مُركَّبة ومتفاوِتة، تزيدُ وتقِلُّ حسبَ عواملَ كثيرة، وتمرينُ النّفس على خوضِ التحدّيات وعدمِ التهيُّبِ من المصاعب يبني الثّقة ويُرسِّخُها.
- دفعُ النّفس باستِمرار إلى ما يتجاوَزُ قدراتِنا بقليل: فالوظيفةُ التي تستحِقُّ السّعي هي تلكَ التي نتوقَّعُ أن تستفزَّنا للتعلُّم وتتحدّانا لتطويرِ القُدرات، دونَ أن تكونَ بعيدةَ المنالِ تماماً إلى درجةِ أن نفشل فتكسِرَنا وتُحبِطَنا. ينمو الإنسانُ جسديّاً وذهنيّاً بأن يتعرَََّ بسكلٍ دائمٍ إلى تحدّياتٍ تتجاوزُ قُدراتِه بقليل، وهكذا تُبنى الثّقةُ بالنّفس.
- تذكُّرُ أننا جميعُنا تهتزُّ ثقتُنا بأنفسِنا أحياناً: فمن لا تهتزُّ ثقتُه بنفسِه مُطلَقاً إما أنّه غارِقٌ في الوهمِ إلى درجةٍ غيرِ صحّيّة، أو أنّه لا يُواجِهُ أصلاً ما يستدعي استِجماعَ الثّقةِ بالنّفس. أكثرُ النّاسِ ثقةً وثباتاً وجَلَداً يُصيبُهم القلقُ والاهتِزاز ويُسائلونَ أنفسَهم، لكنّ العبرةَ في السّيطَرةِ على هذا الاهتِزاز، لا في عدمِ حُصولِه من الأصل.
- الاطّلاعُ على سِيرِ البارِزين والأفذاذ: فمن يطّلِعُ على سِيَرِ هؤلاء، يجِدُ أنّهُ من ما من عظيمٍ ولا مُبرِّزٍ في مجال إلا وتسرّبُ إليه الضّيقُ أو الشّكُّ أو الخوفُ والتوجُّس، والعبرةُ بالتّحكُّمِ في ذلك واستثمارِه بدلاً من توهِّمِ انعدامِه.
- التّعافي من وهم الكمال: فكثيرٌ ممّن تهتزُّ ثقتُهم بأنفسِهم وممّن يجلِدونَ ذواتِهم مُصابونَ بوهمِ الكماليّة، ويربِطونَ قيمتَهم بانعِدامِ الخطأِ والزّلل. هؤلاء، للأسف، كثيراً ما يُضيعونَ الكثيرَ من المقبولِ والجيّدِ والممتاز بحثاً عن الكامل، وكثيراً ما يقَعونَ في الفشلِ التّام لأنّهم ربَطوا قيمتَهم وجدواهُم وثقتَهم بأنفسِهم بتحقيقِ النّجاحِ التامّ، فخسِروا طيفاً واسِعاً من النّجاح كان يُمكِنُ أن يُدرِكوه بدلاً من الفشلِ المحقّق.
- النّظرُ إلى النّقصِ على أنّهُ فُرصة: فالجهلُ قد يكونُ فرصةً للتعلُّم، والضّعفُ قد يكونُ فرصةً لاكتِساب القوّة، والتّأخُّرُ قد يكونُ تحدّياً دافِعاً للتقدُّم. بلغةٍ أخرى، أن نقيسَ قيمتَنا بالمسافةِ التي يُمكِنُ لنا أن نقطَعَها، لا بموقعِنا على الطّريق.
- أن نفهمَ شكلَ نزوعِنا لتقييمِ أنفسِنا: فمع العمر والتّجارب، تتشكَّلُ لدينا خِبرةٌ في نزوعِ أنفسن. هل تنزَعُ إلى المبالَغةِ في قدراتِنا، وعلينا بالتالي أن نحذَرَ من تهوِّرِها؟ أم تنزَعُ إلى التّقليلِ من قدراتِنا، وعلينا بالتّالي ألا نستجيبَ لمخاوفِها دون فحصٍ كافٍ وتدقيق؟
لكلّ نفسٍ نُزوع، ومن يسألونَ هذا السّؤال -عنوان المقال- كثيراً ما تميلُ أنفسُهم إلى التقليلِ من قدراتِها وشأنِها، ومعرِفةُ هذا النّزوع تُكسِبُ المرءَ منظوراً أكثرَ دقّةً لنفسِه ومواطنِ قوّتِها.


