أوّلاً: الوعي بوُجودِ التّفكير الزّائد
فمعَ أنّ الشّائع أن يُوجَدَ لدى الشّخص إدراكٌ ما بأنّه يتّصِفُ بالتّفكيرِ الزّائد، إلا أنّ هذا ليسَ هو الحال دائماً، فهناكَ من لا يُدرِكونَ هذا الأمرَ عن أنفسِهم، ويتصوّرونَ أنّه الحالةُ الطّبيعيّة. وتوفُّرُ الإدراك والوعي بوُجودِ التّفكير الزّائد مُهِمٌّ لأنّ هذا الوعيَ بحدِّ ذاتِه يُساعِدُ الإنسانَ على عدمِ الانسياق وراءَ التّفكيرِ الزّائد، كما أنّه يُكسِبُ الإنسانَ بصيرةً تدفعُه إلى البحثِ عن حُلول.
ثانياً: الوعي بالسّياقاتِ والمحفِّزات التي يكثُرُ فيها التّفكيرُ الزائد
فالإنسان بالمراقبةِ الواعية لنفسِه سيُلاحِظُ ما إذا كانت هناك ظُروفٌ أو أحداثُ أو سياقاتٌ معيّنة يتحفَّزُ فيها نُزوعُه إلى التّفكيرِ الزائد، مثل كونِ التّفكيرِ الزائدِ مرتبِطاً بشكلٍ متكرّر بالخوفِ على الرّزق، أو بمناسَباتٍ اجتِماعيّةٍ معيّنة، أو بوقتٍ محدّدٍ من اليوم، أو بغيابِ شخصٍ في مُحيطِه الاجتِماعيّ، وما إلى ذلك.
وهذا الوعي يجعلُ الإنسانَ أكثرَ قُدرةً على ضبطِ التّفكيرِ الزّائد، وحصرِه ضمنَ سياقِه وتقليلِ احتمالِ أن يستفحِلَ ويتمدّد.
ثالثاً: مُحاوَلة تحديد الإدراكات التي تُصاحِبُ التّفكيرَ الزائد
فالنّقطةُ السّابِقة تعني الظّروفَ الخارجيّة التي ترتَبِطُ بالتّفكيرِ الزّائد، أمّا هذه النّقطة فترتَبِطُ بالإدراكاتِ الدّاخليّة التي تُصاحِبُ التّفكيرَ الزّائد.
فالبَعضُ قد يرتَبِطُ التّفكيرُ الزّائدُ عندَهم بفكرةِ الخوف، وآخَرونَ قد يرتَبِطُ عندهم بفكرة “أنا لا قيمةَ لي” أو بفكرة “أنا لا أصلُحُ لشيء” أو بفكرة “النّاسُ لا يُحبُّونَ صحبَتي” وكثيرٌ غيرُها. بالتّالي، من المهمّ ملاحَظةُ ما إذا كان هناكَ نمطٌ إدراكيٌّ ما يترافَقُ معَ التّفكيرِ الزائد.
واكتِشافُ هذا الارتباط مهمّ لسببَين، أولُهُما انّه يُساعدُنا على أن نُدركَ أن ما يجري تفكيرٌ زائد أكثرَ من كونِه تفكيراً أصيلاً موضوعيّاً له منطِقُه، والثّاني هو أنّ هذه الأفكارَ بحدّ ذاتِها هدَفٌ للمساءَلة والنّقد، فإذا كان تفكيري الزّائد مرتَبِطاً بفكرةِ أنّي غيرُ محبوب، فتصحيحُ هذه الفكرة (أو هذا الإدراك غير الصّحيح) قد يُقلِّلُ من التّفكيرِ الزائد.
رابِعا: مُحاوَلةُ تحديد السّلوكيّات التي تُصاحِبُ التّفكيرَ الزائد
فالتّفكيرُ الزائد قد يُصاحبُه فرطٌ في الحركة واهتياجٌ في الجسم، وقد يُصاحِبُه زيادةٌ في الأكل، وقد يُصاحبُه ُ انهِماكٌ في التصفّحِ العبثيّ للسّوشال ميديا، وهذه كلُّها قرائنُ تُساعدُنا على فهمِ أنَّ ما يجري تفكيرٌ زائد، لا تفكيرٌ أصيلٌ منطقيّ، وقد يُساعدُنا استبدالُها بسلوكيّاتٍ أفضل على كسرِ دورةِ التّفكيرِ الزائد. فالاهتياجُ الحركيُّ يُمكِنُ استِبدالُه بالمشيِ الهادِف، والأكلُ الزّائدُ يُمكِنُ استِبدالُه بالطّبخِ البطيء المتأنّي لطعامٍ صحّيّ، والغرقُ في السّوشال ميديا يُمكِنُ استِبدالُه بمكالَمةِ صديق أو بالكتابة.
خامِساً: محاولةُ رسمِ دورةٍ للتّفكيرِ الزائد
من يُعايِشُ التّفكيرَ الزائدَ لزمنٍ ما، يستطيعُ معَ الوقتِ أن يرسُمَ “دورةَ حياة” لهذا التّفكيرِ الزّائد، والمدّة التّقريبيّة التي تستغرِقُها هذه الدّورة.
مثَلاً، يُمكِنُ لمن يُصيبُه اجتِرارُ الأفكار لسببٍ معيّن أن يُلاحِظَ كيفَ يبدأُ الاجتِرار، وكيفَ يصِلُ ذروتَه، وكيفَ يبدأُ في الانحِسار. البعضُ تستغرِقُ هذه الدّورةُ عندَه بضع ساعات، والبعضُ تستغرِقُ أيّاماً. حين ينتبِهُ الإنسانُ لنمطِه الخاصّ، يُدرِكُ أنّ الذّروةَ سيعقبُها انحِسار، وهذا يُساعدُه على الهدوء والتصبُّر.
سادِسا: عدمُ اتّخاذِ قراراتٍ كبيرة في ذروةِ التّفكيرِ الزّائد
فالإنسانُ في حالةِ التّفكيرِ الزّائد تتعاظَمُ مخاوِفُه عن الحجمِ المنطقيّ، وقد يجِدُ نفسَه مضطَرَّاً لفعلِ شيءٍ ما للتّقليلِ من عنفوانِ مشاعرِه، لكنَّهُ ما إن يهدأَ التّفكيرُ الزّائد حتّى يشعُرَ أنّه تصرَّفَ بلا داعٍ، وأنّه لو تريّثَ لكانتِ الأمورُ على ما يُرام.
مثَلاً، من يُعايشُ “الإفراطَ في التّحليل” قد يَعودُ من لقاءِ عمل أو مناسَبةٍ اجتِماعيّة، وتُسيطِرُ عليه فكرةُ أنّهُ قالَ شيئاً لا يليق، ويبدأُ ذهنُه يُلحُّ عليهِ أن يتّصِلَ ويعتَذِر. إذا بدأتْ ملامِحُ التّفكير الزّائد تُسيطِرُ على الشّخص، فالأفضَلُ أن يتركَها تهدأُ قليلاً، ثمّ يُقيِّمَ ما إذا كان قالَ شيئاً يستوجِبُ الاعتِذار. هذا أفضَلُ من التّعجُّل، ثم الشُّعور بتوتِّرٍ مُضاعَف لأنّه تصرَّفَ بقلّةِ ثقة، وربّما لفتَ نظرَ الشّخصِ الآخَر لما لم يكن في بالِهِ أصلاً.
سابِعاً: العلاقاتُ الاجتِماعيّةُ المتينة
فهذه العلاقاتُ العميقة تُساعِدُ الإنسانَ على الخُروجِ من ذاتِه إلى رحابةِ العالَمِ الاجتِماعيّ، فكثيراً ما يشغَلُ أمرٌ ما بالَ الإنسان ويظَلُّ يذهَبُ في ذهنِه ويجيء ويتعاظَم، ثم إذا التَقى بمن يُحِبّ بدأَ الأمرُ يتضاءلُ ويأخُذُ حجمَه الطّبيعيّ، إلى درجةِ أن يتعجَّبَ الإنسانُ من الحجمِ السّابقِ الذي بدا ذلكَ الأمرُ عليه.
هذا الأثَرُ الإيجابيُّ للعلاقاتِ الاجتِماعيّة قد يحصُلُ حتّى دونَ أن يُناقِشَ الإنسانُ ما يشغلُه مع من يثِقُ بهم. وإذا اضطُرَّ إلى مناقشتِه معهم، فسيُساعِدونَه على أن يرى الأمرَ قريباً من حجمِه الطّبيعيّ.
ثامِناً: الرّوحانيّات
فالرّوحانيّاتُ تُساعِدُ كثيرينَ على التنظيمِ الوجدانيّ، ووضعِ الأفكارِ المزعِجة أو المقلِقة في نِطاقٍ وُجوديٍّ أوسَعٍ وذي معنى وغاية، وعلى استِجماعِ مصادِرِ يقينِهم ومقدّراتِ ذواتِهم لتهدئةِ المخاوِف والتّعامُلِ معها بطرُقٍ مفيدةٍ ورشيدة.
تاسِعاً: التّفكُّر والحُضورُ الذّهنيّ
فصّلنا في مقالٍ سابق أنّ الدّماغَ ليسَ عُضواً إراديّاً تماماً، وليس عُضواً لا إراديّاً تماماً، بل هو حالةٌ وُسطى. وممارَسةُ التّفكُّر والحُضورِ الذّهنيّ من أهمّ ما يُكسِبُ الإنسانَ قُدرةً على التحكُّمِ الإيجابيّ في نزوعِ دماغِه إلى الأنواعِ المختلِفةِ من التّفكيرِ الزّائد. ولكي يأتيَ التفكُّرُ والحُضورُ الذّهنيّ بآثارِهما الإيجابيّة، فعلى المرء أن يتمرّنَ عليهما باستِمرار، وتحدّثتُ عنهما بالتّفصيل في الفصل السّادس من القسم الثّاني من كتاب “لماذا نكتئب وكيف نتعافى” وفي هذا المقطع من بودكاست ذات.
عاشِراً: الرّياضة
فالرّياضةُ تحسِّنُ المِزاجَ وتقلِّلُ التوتّرَ الذّهنيّ والجسمانيّ بطُرِقٍ عدّة، وهذه كُلُّها تُساعِدُ على كسرِ دوّاماتِ التّفكيرِ الزّائد.


