اهتمامُنا بصحّتِنا النّفسيّة .. كيف نتجنّبُ أن يُصبِحَ أنانيّة؟

اهتمامُنا بصحّتِنا النّفسيّة .. كيف نتجنّبُ أن يُصبِحَ أنانيّة؟

لو طُرِح السّؤالُ التّالي على سُكّان مدينةٍ ضخمة ما: هل تقبَلونَ أن تختَفيَ الأمراضُ والجرائِمُ والفقرُ من مدينتِكم تماماً، مُقابلَ أن نختارَ عشوائيّاً شخصاً واحداً فقط من المدينة ليتعرّضَ لألَمٍ دائمٍ، مثل الضّرب بعصا على رأسه مرّة كلّ ساعة حتى آخر عمره؟

هذه الأحجية الفلسفيّةُ المعروفة تُعالجُ معضلةً إنسانيّةً شاقّة: هل السّعادةُ حالةٌ فرديّةٌ أم جماعيّة؟

يُمكِنُ للبعض أن يَقولوا: إنه لأمرٌ شنيعٌ أن يتعرَّضَ شخصٌ للضرب بقيّة عُمرِه، ولكن، هناك العشراتُ في مدينتِنا من ضحايا القتل والاعتداءات، وهناك المئاتُ يموتونَ يوميّاً من الأمراض، وهناك آلافُ الفقراء لا يجدون قوتَ يومِهم. ألا يستحِقُّ الأمرُ هذه التّضحية التي تتضاءَلُ أمامَ المكاسبِ التي سنجنيها؟

وفي المقابل، ستَجِدُ من يقولون: ولكن .. سنتذكَّرُ في كُلِّ لحظة أنّ هناك شخصاً يُضرَبُ الآن ثمناً للواقعِ الجديد الخالي من الأمراض والجرائمِ والفقر. قبل أن “نُضحّي” بهذا الشّخص، كنّا نتقبّلُ كلّ هذه الآلام باعتبارِها جزءاً من الحياة، ونعتَبِرُ مواجهتَنا لها جزءاً من رسالةِ وجودِنا وسعيِنا لأن نكونَ بشراً أفضل .. أمّا الآن، فنحنُ لسنا أكثرَ من انتهازيّين نتنعّمُ بصحةٍ وأمنٍ ورفاهٍ دون أن نستحِقّ شيئاً من ذلك.

بإمكاننا أن نتوقّعَ أن وجهةَ النّظر الأولى قد تبدو مُقنِعةً أولَ الأمر، لكنّ الثانية ستنتَصِرُ غالِباً، أي أنّ البشر في مجملِهم لن يقبَلوا أن تأتيَ سعادتُهم على حساب غيرِهم، حتّى ولو كانَ شخصاً واحِداً لا يعرِفونَه، إذا علِموا أن تعاستَه هي الثّمنُ المُباشِرُ لسعادتِهم.

لهذا، يُمكِنُنا القولُ بثقة إن ربطَ الصّحّة النّفسيّة والاعتناءَ بالنّفس بالنّزعاتِ الأنانيّة والفردانيّة هو أسوأُ ما أفرزَه خِطابُ الاهتمام بالصّحّة النفسيّة في نسختِه المُعاصِرة.

هذه ليست مقولةً أخلاقيّة أو دعائيّة، بل مقولة علمية يسندُها الدليل العلميّ والأبحاث والبيانات.

في هذه الحلقة من بودكاست ذات تحدّثنا عن عشرة أشياء يتوفَّرُ لدينا دليلٌ علميّ على أنّها تُحسّن الصّحّة النّفسيّة. هذه الأشياءُ العشرة تنقسم إلى قسمَين:

الأول: أشياء نحتاجُ فيها إلى الأخَرين، ونحتاجُ إلى الخُروجِ من ذواتِنا الفرديّة حتّى نُحقِّقَها، مثل العلاقات الجيّدة والمعنى والغاية.

الثّاني: أشياء مُحايِدة في المُجمَل تِجاه الآخَرين، أي ليست مرتبِطة بالآخَرين بشكلٍ مُباشِر، لكنّها لا تحتاجُ أبداً إلى التمحور حولَ الذّات والتفكير بأنانيّة، بل إنّ هذا التفكير قد يُقلّلُ من فرصِ نجاحِها. هذا ينطبِقُ مثلاً على الرّياضة والتّغذية الجيّدة والنّوم والتفكُّر.

ففي القسمِ الأوّل، من الواضحِ أنّ التّفكيرَ الأنانيّ يجعلُ العلاقاتِ الصّحّية أكثرَ صُعوبة، فلا أحدَ يُريدُ صُحبةَ الأنانيّين المتمحورين حولَ ذواتِهم. ومن الواضحِ أيضاً أنّ أهمّ ما يمنحُنا المعنى والقصدَ والغاية يقعُ خارجَ ذواتِنا، مثل الانتماء للقضايا الأخلاقيّة العادلة، والانتماءِ الرّوحيّ والدّينيّ لما يتجاوَزُنا إلى قيمةٍ أعلى ووجودٍ أسمى، وبذلِ الخير والعون للمقهورين والملهوفين، وتربيةِ أبنائنا على الفضائل والجدّ والنّجاح، والكثير غيرِ ذلك.

بل إنّ النّجاحَ الذي يبدو فرديّاً لا تتحقّقُ قيمتُه الحقيقيّة إلا بالآخَرينَ ومعهم. سيُخبِرُكَ أكثرُ من تحقّقوا علميّاً ووصلوا أعلى الشّهادات والدّرجات أن سعادتَهم الحقيقيّة تكمُنُ في تطوير المعرفةِ البشريّة، وجعلِ حياةِ البشر أفضل، ونشرِ الأبحاث ليستفيدَ منها غيرُهم، ونقلِ المعرفةِ إلى تلاميذِهم.

وحتّى النّجاحُ التّجاريُّ المادّي نراهُ لا يشفي غليلَ كثيرٍ من رجالِ الأعمال، فتراهم بعد أن حقّقوا مستوىً معيّناً من النّجاحِ المادّي يبحَثون عن مشروعٍ خيريّ أو مبادرة تعليميّة أو يظهَرون في بودكاست، ليُعطوا لتجربتَهم شيئاً أبعدَ من مجرّد إشباع حاجتِهم الذاتيّة للمال والنّجاح والنّفوذ. بل يتوفَّرُ دليلٌ علميٌّ على أنّ إنفاقَ المال على الآخَرين أكثرُ جلباً للسّعادة والرّضا من إنفاقِه على النّفس.

أما القسمُ الثّاني من الأشياء التي تُحسّنُ الصّحةَ النّفسيّة، أي تلكَ التي لا تعتمِدُ بشكلٍ مُباشِرٍ على الآخَرين، فهي قد تستفيدُ من الآخَرين بشكلٍ أو بآخَر.

مثَلاً، ممارسةُ الرّياضة قرارٌ ذاتيّ، لكنّ الآخَرين قد يُساعِدوننا فيه. لو تُركنا لذواتِنا، فنحنُ أميَلُ إلى الكسلِ والتّراخي، والآخَرونَ قد يُنشّطونَنا. صحيحٌ أنّ الرياضةَ عنايةٌ بالنّفس، لكنّ هذه العنايةَ لا تحتاجُ إلى تفكيرٍ أنانيّ حتى تحصُل. وقلِ الشّيءَ نفسَه عن التّغذيةِ الجيّدة والتفكُّر والنّوم الجيّد والحُضور الذّهنيّ. كُلُّها ممارساتٌ فرديّة، لكنّ المرءُ لا يحتاجُ أبداً أن يكونَ أنانيّا منغمِساً في ذاتِه كي يُحقِّقَها.

لذا، هذه النّزعةُ الأنانيّة الفرديّة المنغمِسةُ في الذات، والتي شوّهت خِطاب العنايةِ بالنفس ولوّثَتْ أحاديثَ الاهتمام بالصّحّة النفسيّة، هي نزعةٌ دخيلةٌ مريضة، وقد أُلصِقَت إلصاقاً بالصّحّةِ النّفسيّة زوراً وبُهتاناً ودون دليلٍ علميّ.

والذي حصلَ هو أنّ السّوشال ميديا تُعزّزُ النّزعةَ الأنانيّةَ الفردانيّة، ويَجِدُ هذا الخِطابُ فيها رواجاً وانتشاراً و”لايكات” وإعادةَ مُشارَكة، وتزامَنَ هذا مع ازديادِ الاهتمام بالصّحةِ النفسيّة، فأُلصِقَ الخطابانِ معاً، حتى صارَ اهتِمامُ الإنسان بصحّتِه النفسيّة مُرادِفاً للأنانيّة والانغِماسِ في الذّات.

لكنّ الحقيقةَ العلميّةَ والفضيلةَ الأخلاقية تُخالِفُ تماماً هذا الرّبطَ المُجحِف. أفضلُ ما نفعلُه لأنفسِنا يتضمّنُ خُروجاً من حدودِنا الضّيّقة وتسامِياً على نوازعِنا الأنانيّة. 

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة