ينتَشِرُ استخدامُ الذّكاء الاصطناعي في جميع مناحي الحياة، وعددٌ متزايدٌ من البشر يُحاوِلونَ استخدامَه للتساؤلِ عمّا إذا كانوا يُعانونَ من مرضٍ أو اضطِرابٍ نفسيّ، كما يُحاوِلون الحُصول على تشخيص لحالتِهم، وأحياناً طلب العلاج.
وهناك من يستخدِمُه كوسيطٍ يُفترَضُ أنّه مُحايِد لتحديد أسباب الخلافات الزّوجيّة والشّخصيّة والمهنيّة ومن المُخطئ والمُصيب فيها وكيفيّة التّعامل معها. ويحدّثُه البعض عن آلامِهم ومعاناتِهم أمَلاً في المُساعدة أو المواساة أو الإرشاد للتّصرّف السّليم.
فهل لجوؤنا للذكاء الاصطناعيّ في هذه القضايا آمِن؟ وهل هو مُفيد؟
إيجابيّات
- الذّكاء الاصطناعي، في الغالب، يُدرِكُ الحالات الطّارئة: أنظمة وتطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ المعروفة تتمّ برمجتُها بحيث توجِّه النّاس لطلب المساعدة المتخصّصة في الحالاتِ الخطيرة. هذا لا يعني أنّها آمِنة تماماً من هذه الزّاوية، لكنّ محرّكات البحث بأنواعِها المختلِفة تُبرِزُ بشكلٍ واضح أرقام الطّوارئ ووسائلَ طلب المساعدة في الحالات الطّارئة والخطيرة، وتطبيقاتُ الذكاء الاصطناعي تُحافِظُ على هذا النّهج. هذه إيجابيّة مهمّة لأنّ هذه التطبيقات في المُجمَل تتجنَّبُ الانسياقَ مع الأفكار الخطيرة أو المؤذية، بل تُبرز الحاجة للمساعَدة. لكن ليس هُناكَ نِظامٌ كامل، ولا يُمكِنُنا الثّقةُ دائماً بأنّ الذّكاء الاصطناعي لن يتساوَقَ مع فِكرةٍ مؤذية أو يضع مُستخدِمَه في خطَر.
- الذّكاءُ الاطناعيّ يقتَرِحُ طلبَ المساعَدة المناسِبة: هناك دراساتٌ مبدئيّة أظهرت أنّ الذّكاء الاصطناعيّ يقتَرِحُ طلبَ المساعَدة الطّبيّة بشكلٍ جيد حين يتحدّثُ إليه المستخدمون عن معاناتِهم النّفسيّة، حتّى لو لم تكن شديدة أو طارئة. فسؤال الذّكاء الاصطناعي عن الاكتئاب والقلق والوسواس والأعراض النفسيّة الأخرى يؤدّي بنِسَبٍ جيّدة إلى اقتِراح الحديث مع مختصّ أو مراجعة طبيب، وهذا جيّد.
- المعلوماتُ العامّة التي يُقدّمُها الذّكاءُ الاصطناعيّ جيّدة: عندَما يُسأل الذكاء الاصطناعي عن أعراضِ الاكتئاب أو أفضل طرُقِ علاج القلق، فإنّه يُقدِّمُ إجاباتٍ شامِلة وجيّدة. نتحدّثُ هنا عن الأسئلةِ المعلوماتيّة المُحايِدة مثل سؤال “ما هي أعراضُ الاكتئاب؟” أو “ما هي عِلاجاتُ القلق التي أظهرت فعاليّة؟” وما شابَه.
مخاوف
- الخُصوصيّة: وهذه من أهمّ مخاوف الذّكاء الاصطناعيّ عُموماً. لا يُنصَح مُطلَقاً بتقديم معلوماتٍ خاصّة عن النّفس أو العائلة أو العمل أو سيرِ العلاج النّفسي إذا كان الشّخص يتلقّاه. السّبب أننا يجِبُ ألا نثِقَ أبداً بالذكاء الاصطناعيّ نفسِه أو بالشّركات التي تمتلكُه وتطوِّرُه. لا يُمكِنُ لأحدٍ أن يثِقَ بالطُّرُقِ التي قد تتصرّفُ بها هذه البرمجيّات من تلقاءِ نفسِها في مرحلةٍ ما. كذلك لا يُمكِنُ الثّقة بمالكيها ومطوّريها، فسجلُّ شركاتِ التكنولوجيا من ناحية الخُصوصية مُقلِقٌ للغاية.
- الدّقّة: فهذه النماذج تستخدِمُ ما هو متاحٌ على الانترنت لتدريبِها وتغذيتِها وزيادةِ فعاليّتِها، والمحتوى العربيّ النّفسيّ على الانترنت عُموماً شحيح وبسيط في مستواه، وقد يفتِقِرُ للمعرفة الصّحيحة في بعضِ القضايا. بالتّالي، إذا كانت المُدخَلات التي تعتمِدُ عليها هذه النّماذج متواضِعة، فإنّ مُخرجاتِها ستكونُ متواضِعة.
- ربطُ المستخدِم: علينا ألا ننسى أنّ هذه التطبيقات تهدِفُ دائماً إلى مزيدٍ من التّفاعل وال engagement، مثلُها مثل تطبيقات التّواصل الاجتماعيّ. كُلُّ ثانية يقضيها المستخدِمُ في هذه التّطبيقات مكسبٌ للشّركاتِ التي تملِكُها، فذلك يزيدُ من أهمّيتِها وبالتّالي من قيمتِها السّوقيّة، كما أنّه يُغذّي هذه البرمجيّات بالمادّة التي تحتاجُها كي تتطوّر وتزدادَ ذكاءً.
- المُحاباة: هذه التطبيقاتُ هدفُها إبقاء المستخدِمِ مندمِجاً معها ومستخدِماً لها أطولَ فترةٍ مُمكنة، وهي بالتّالي تُقدِّمُ إجاباتٍ تُحابي المستخدِم وتُجامِلُه. بطبيعةِ الحال، لا يُمكن فعلُ ذلك في القضايا القاطِعة كالرياضيّات، لكن إذا عرضتَ مُشكلتَك العائليّة أو الزّوجيّة على التطبيق بصيغةِ المتحدّث، فإنّه في الغالب سيُحابيك ويُعطيكَ إجاباتٍ تدعَمُ موقفَك. هذا خَطير لأنّ الدّعمَ النّفسيّ المُفيد يشتمِلُ على التّفهّم ويتجنّبُ إصدارَ الأحكام القاطِعة، لكنّه لا يَقومُ على المحاباة و”الزّبون على حقّ دائماً”.
- ذوبان الحدود بين الإنسان والآلة: لا يُخفي بعضُ المتنفّذين في شرِكات الذّكاء الاصطناعيّ والتكنولوجيا عُموماً أنّ هدفهم هو إذابةُ الحدّ الفاصل بين الإنسان والآلة، أي جسر الهوّة التي تفصِلُ ذكاءنا -ومشاعِرنا وإداركنا وأفكارنا – عن الآلات والبرمجيّات، وُصولاً إلى الهدف النّهائيّ الذي يُسمّونَه “الإنسان المتجاوِز Transhuman” أي الإنسان المتّصِل بعقلِ الآلة. هذا لم يَعُد خيالاً علميّاً، فالرقائق الدّماغية التي تعملُ بعضُ الشّركات على زرعِها في الدّماغ -بهدف علاج الأمراض العصبيّة حتّى الآن- يُمكنُ أن تُغذّى بأحدث نماذج الذّكاءِ الاصطناعيّ، وشيئاً فشيئا تتضاءَلُ الفجوة. مخاطِرُ هذا المشروع أوضَحُ من أن تُشرَح، فهو تهديدٌ غيرُ مسبوق للخصوصية، ويفتَحُ البابَ واسِعاً للتحكّم في أفكارِ البشر وتوجّهاتِهم ومشاعرِهم وسُلوكِهم.
نصائح للاستِخدام
هل يُمكِنُ إذاً استِخدامُ الذّكاءِ الاصطناعيّ بشكلٍ آمِن في طلبِ المُساعدة النّفسيّة؟
الإجابة المختَصَرة هي “لا”. لكن إذا كانت هناك ظروف استثنائيّة يصعُبُ معها طلبُ المساعدة من إنسانٍ متخصّص، أو إذا كان الشّخصُ في المرحلةِ الأولى للبحثِ والتّساؤل عمّا يمرُّ به ومدى حاجتِه للعلاج، فينبغي الانتباه للقضايا التّالية:
- أبقِ نفسَكَ على اطّلاعٍ عُموماً بإجراءاتِ الخُصوصيّة وأفضلِ الممارسات المتعلقة بالتّعامل مع الذّكاءِ الاصطناعيّ. تذكّر أن الضّليعينَ في التكنولوجيا يغلبُ عليهم، للأسف، الانسياقُ السّريع مع التطوّراتِ التكنولوجيّة. عليك أن تبحثَ عن الحذرينَ والمتشكّكين من بينِهم، لا المنبهرين فحسب.
- السّؤالُ بشكلٍ مُحايد عن الأعراض التي يَمُرُّ بها المرء أو وسائلِ العلاج التي أثبتت الأبحاثُ فعاليّتَها، أي تجنُّب السّؤال على شكل قصّة شخصيّة أو التّصريح عن التّجربة الذّاتية، والسّؤال كما لو كنتُ تسألُ بخُصوصِ شخصٍ آخَر.
- التجنُّب التّام لإعطاء أيّ تفاصيل خاصّة. ما تخجَلُ أو تنفِرُ من قولِه على الملأ ينبَغي ألا تقولَه للذكاء الاصطناعي.
- تجنُّب استخدامِه مُطلَقاً في الخلافات أو القضايا التي لها طرفٌ آخَر، مثل الخلافات العائليّة أو الزّوجيّة أو في العمل أو بينَ الأصدقاء.
- تجنُّب الاسترسال في اللطف والأريحيّة، مثل الردّ على الثّناء بمثلِه أو تحويل نبرة الحديث إلى دردشة عائلة أو فضفضة أصدِقاء. اسأل الذّكاء الاصطِناعي كما لو كان طابِعة أو غَسّالة. لا تشتُم ولا تمدَح، لا تُهاجِم ولا تتودّد. تذكّر أنك تسألُ آلة.
- تجنّب الأخذَ والردّ وإقامةَ حوار من طريقَين. أنتَ تسأل والآلة تُجيب. كلّ أسئلةِ الآلة لك أو مُداعبتِها لمشاعرِك أو تفهُّمُها لظُروفك بلا قيمة، بل هي ضارّة، وينبَغي تجنُّبُ التجاوبِ معها.


