هل التفّكير الزّائد مرضٌ نفسيّ؟ 

هل التفّكير الزّائد مرضٌ نفسيّ؟ 

“التّفكير الزّائد” من أكثر القضايا التي تقعُ في حُدود المساحة بين ما هو طبيعيّ وما هو عِياديّ في عالَم الطّبّ النّفسيّ، ولذا، فليس غريباً أن يكونَ من أكثرِ الأسئلة التي توجَّهُ للطّبيب النّفسيّ.

وبداية، فعلينا أن نتذكّرَ أنّ أكثرَ السّماتِ الإنسانيّة عِبارةٌ عن طيفٍ ممتدّ بين نهايَتَين، كالطّولِ والوزن، فأكثرُ النّاس قريبونَ من المتوسِّط، وهناك عددٌ يِقِلُّ من البشرِ كلّما اقتربْنا من النّهايَتين، فقليلٌ جِداً من البشر بالغو الطّول أو بالغو القِصَر.

ومقدارُ التّفكير وانشِغالِ الذّهن يتبَعُ هذا التّوصيف، فهناك مُفرِطو التّفكير، وهناك من يصعُبُ أن ينشغِلَ بالُهم بأمر، وأكثرُ النّاس يدورونَ حولَ المتوسِّط.

والإفراطُ في التّفكير يرتَبِطُ ببعضِ سماتِ الشّخصيّة، فمن هم أكثرُ حساسيّةً يميلون للتفكيرِ الزّائد. هذا أمرٌ منطِقيٌّ تماماً، فالحساسيّةُ العالية تعني نُزوعاً نحو التأثُّر أو افتِراضِ الأسوأ أو القلق أو الخوف، ومن تنزَعُ شخصيّتُهم نحوَ هذه المشاعر، من المنطقيّ أن يكونوا اكثرَ تفكيراً وانشغالَ بال.

كما أنّ بعضَ سِماتِ الشّخصيّة تُوازِنُ التّفكيرَ الزائد أو تحمي منه، مثل “الانضِباطِ الذّاتي”، فهذه السّمة تجعلُ الشّخصَ أكثرَ قُدرةً على ضبطِ عالَمِه الدّاخليّ والخارجيّ، والتّحكّم في تعبيرِه عن مشاعِرِه، واختيارِ سُلوكيّاتٍ تُساعِدُه على التّعاملِ مع التّفكيرِ الزائد وما يُمكِنُ أن يُفضيَ إليه من قلَق.

(ملحوظة: الحساسيّة والانضِباط الذّاتي اثنانِ من أبعادِ الشخصيّة الخمس التي تُشكِّلُ معاً شخصيّتَنا المتميّزة، ولشرحٍ مُبسّطٍ ومفصّل لهذه الأبعاد الخمسة، يُمكنك الاستِماع لحلقة “ما هي اضطِرابات الشّخصيّة العشرة؟ ولماذا الهوس بالنّرجسيّة؟” رابط)

وهناك أنواعٌ مختَلِفةٌ ممّا يُسمّيه النّاس “التّفكير الزّائد”، نذكُرُ فيما يلي بعضاً منها، وارتباطَها المحتمَل بتشخيصاتٍ نفسيّة:

  • الهمّ (Worry):

ونعني به النّزوعَ نحو أن تحتلَّ المخاوِفُ المستقبليّةُ ذهنَ الإنسان، وأن يميلَ إلى كثرةِ حِسابِ العواقب السّلبيّة، حتّى ضعيفةِ الاحتِمال. وهذه الحالةُ تتفاوتُ كثيراً في شدّتِها، ويُمكنُ أن تكونَ جزءاً من سماتِ الشّخصيّة، وليست بالتّالي جزءاً من تشخيصٍ نفسيّ بحدّ ذاتِه، لكنّها في حالاتِها القُصوى يُمكن أن تكونَ جزءاً من اضطِرابات القلق والاكتئاب إذا صاحبتْها أعراضُ هذه الاضطِرابات، ووصلت لدرجةِ تعطيل الحياة.

  • الاجتِرار (Rumination)

ونعني به أن تُسيطِرَ فكرةٌ ما على الذّهن، وتظلُّ حاضِرةً وتدورُ في الدّماغِ بلا توقُّف، حتى مع اقتِناعِ الإنسان عقليّاً بأنّ هذه الفكرةَ لا مبرّرَ لها ولا سببَ منطِقيّاً لدورانِها المستمرّ في التّفكير. وهذه الحالةُ تتفاوتُ كثيراً في شدّتِها، فقد تَكونُ جزءاً من نمطِ التّفكير، وتلبَثُ في البالِ فترةً، خُصوصاً في ظُروفِ التوتّر، ثم تخفت. لكنّها قد تَكونُ كذلك جزءاً من حالةٍ قلق أو اكتئابٍ أو وسواس إذا وُجِدتِ الأعراضُ الأخرى والتعطُّلُ عن الحياة.

  • الإفراط في التّحليل (overanalysis)

ونعني به النّزوعَ نحو المبالَغة في تحليلِ الأحداث والمواقف والقرارات، وإعطاءَها أكثرَ بكثيرٍ من حجمِها المنطقيّ، والرغبةُ المتواصِلةُ بالحُصولِ على توكيدٍ أو نفيٍ من الآخَرين بأنّ فلاناً قصدَ هذا أو ذاك بما قاله، أو أنّ الموقِفَ الفُلانيّ يُمكِنُ تفسيرُه هكذا أو هكذا، ونحو ذلك. وهذه الحالةُ تتراوَحُ من سمتٍ طبيعيّ يقومُ على الفحص والحساب والملاحَظة الزّائدة، إلى حالةٍ مُستَنزِفةٍ للشخصِ وعلاقاتِه كما في بعضِ اضطِرابات الشّخصيّة.

  • الوعيُ المُفرِطُ بالنّفس (Self-consciousness)

ونعني به الشّعورَ العالي بمنظورِ الآخَرين نحونا، سواءٌ أكانَ حقيقيّاً أم متخيَّلاً، ومراقبةَ تصرُّفاتِنا وكلامِنا ومظهرِنا في السّياقاتِ الاجتِماعيّة، وهذا قد يَكونَ سمتاً شخصيّاً عاديّاً عندَ من يتّسمونَ بالخجل أو بالانطوائيّة، وقد يكونُ شديداً إلى درجة التعطُّلِ الشخصيّ والاجتِماعي كما في الرّهابِ الاجتِماعيّ.

  • القلق الوجوديّ (Existential Angst)

ونعني به حالةً وجدانيّة عميقةً من الشّعور بإشكالٍ أصيلٍ معَ الوُجود. هذه الحالة تأخُذُ أشكالاً متنوّعة، منها الشُّعورُ بأنّ الوُجودَ الإنسانيّ قاسٍ وموحِش ومؤلِم، أو شُعورِ الإنسانِ بأنَّهُ لا يملأُ مكاناً ذا معنى في الوُجود، أو أنّ الإيديولوجيّاتِ السّائدة لا تُمدُّه بمعنى متماسِكٍ لوُجودِه، أو شُعورِه بمحدوديّتِه الجسديّة أو العقليّة أو النّفسيّة، أو خوفُه من الموتِ والفناءِ والعدم، وغيرُها. وهذه الحالةُ قد تَكونُ شُعوراً وُجوديّاً أصيلاً، وقد تَكونُ كذلكَ وسيلةً دِفاعيّةً عند بعضِ من يُعانونَ من قلقٍ مرضيّ أو اكتئاب، لأنّها تُكسِبُ هذه الحالات الطّبيّة صِبغةً أكثرَ عُمقاً ومقبوليّة.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة