يُحبّ البشر أن يروا أنفسِهم باعتبارِهم كائنات عاقِلة، ويعتبِرونَ الاستماع ل”صوت العقل” فضيلة، وجميعُنا ننفِرُ من أن نوصَفَ بأنّنا “عاطفيّون”، ولو سألتَ أيَّ إنسان فسيُخبِرُك أنّه مستعِدُّ لتغيير رأيِه إذا أثبتَّ خطأَه ب”المنطق” وإذا ناقشتَه ب”عقلانيّة”، فهل هذا صحيح؟
في الحقيقة، من الصّعب تعريف “العقل” و”المنطِق”، فباستثناء القوانين الرّياضيّة والبدهيّات الواضِحة، يصعُبُ أن نجدَ ما يتّفقُ عليه العقَلاء. كما أنّ أدمغتَنا ليست صفحاتٍ بيضاء، فهي تحمِلُ انحيازاتِنا وتنشئتَنا الأولى وثقافتَنا وتجاربَنا ونزعاتِنا النّفسيّة وتفضيلاتِنا الاجتماعيّة. بالتّالي، حين نتعامَلُ مع مسألة اجتماعيّة أو ثقافيّة أو دينيّة أو فلسفيّة، فليس بإمكاننا أن نتجرّدَ تماماً من كلّ هذه المكوّنات كي نصل إلى شكلٍ من العقل الصّافي أو المنطق المجرّد لنُعالج تلكَ المسألة.
لكن حتّى لو تجاوزنا هذا الإشكال، فسنكتشِفُ أننا لا نُغيِّرُ معتقداتِنا أو نكتسِبُها من خلالِ مُحاججات عقليّةٍ باردة أو مناقشاتٍ منطقيّةٍ مجرّدة. لو تأمَّلنا في فكرةٍ كنّا نؤمِنُ بها بشدّة ثم تغيّرت قناعتُنا بشأنِها، وحاولنا أن نعثُرَ على سببٍ لهذا التغيُّر، فلن نجِدَ غالِباً أنّ شخصاً ما أقنعَنا بالأرقامِ والبيانات، ولن نتذكَّر غالِباً نِقاشاً منطِقيّاً متسلسِلاً ومُحكَماً دفعَنا لتغييرِ تلكَ القناعةِ في جلسة أو بين ليلةٍ وضُحاها.
ما سنجِدُه غالِباً أنّ قناعتَنا تغيّرتْ بسبب تحوُّلٍ وِجدانيٍّ، بسببٍ شُعورٍ ما، بسببِ إحساسٍ عميق تِجاه القضيّة قد لا نَجِدُ له سبباً منطقيّاً واضِحاً.
لو كانَ هناك مثَلاً شخصٌ لا يقتنِعُ أبداً بوجود شيء اسمُه الاكتئاب، ويعتَقِدُ أنّه مجرّدُ كسل أو ضعفٍ في الهمّة أو ما شابَه. بإمكانكَ أن تُقدِّمَ لهذا الشّخص جميعَ الأدلّة والأبحاث والدّراسات وقد لا يتغيَّرُ رأيُه، لكنّ موقفَه قد يتغيَّرُ تماماً إذا أخبرَهُ شقيقُه أنّه مُصابٌ بالاكتئاب ويتلقّى العلاج، لأنّه يعرِفُ أنّ شقيقَه ليس كسولاً أو ضعيفَ الهمّة، فإمّا أن يُكذِّبَ شقيقَه، أو أن يُغيّرَ رأيَه بخصوصِ الاكتئاب.
وبالإضافة للتّحوُّلِ الوجدانيّ والعاطفيّ تِجاهَ القضيّة، هُناك سببٌ آخَرُ لا يقِلُّ أهمّيةً لتغييرِ قناعاتِنا ومعتقداتِنا، ألا وهو الحاجةُ للتوافُقِ الاجتِماعيّ مع مُحيطِنا.
البشرُ كائناتٌ اجتِماعيّة، والإنسانُ يبحَثُ دائماً عن وسطٍ اجتماعيّ يجِدُ فيه القبول والرّاحة. لا نحتاجُ للاتّفاقِ مع من هم في محيطِنا على كلِّ قضيّة، لكنّنا كذلك لا نحتمِلُ أن يختَلِفوا عنّا في كلّ شيء، أو في مجموعةٍ من القضايا المهمّةِ بالنّسبةِ لنا.
لهذا السبب، تتقارَبُ أفكارُ الزّوجينِ من القضايا المختَلِفِ عليها، ويقتَرِبُ الموظَّفُ الجديدُ من قناعاتِ زملائه، وتتغيَّرُ بعضُ القناعات بالانتِقالِ من مدينةٍ إلى أخرى أو دولةٍ إلى أخرى، وتُغيِّرُ الغربةُ من الطِّباعِ والقناعات، وهكذا.
وفي هذه الحالاتِ جميعِها، لا نعثُرُ غالِباً على حجةٍ منطقيّةٍ دامِغة قدّمَها أزواجُنا أو جيرانُنا الجُدُد أو المجتمَعُ الجديدُ الذي انتقلنا عليه، بل الدّافِعُ لتغييرِ قناعاتِنا هو رغبتُنا في أن نتوافَقَ بقدرٍ ما مع محيطِنا، لأنّ العكس يُنتِجُ توتُّراً وتنافُراً واستنزافاً ووحدةً واغتِراباً.
لكن، أليسَ للعقلِ والمنطِقِ أيُّ دورٍ في هذا الأمر؟ هل تقِفُ عُقولُنا متفرِّجةً علينا ونحنُ نُغيِّرُ قناعاتِنا بناءً على تحوّلاتِنا الوجدانيّة العاطفيّة وتوافقاتِنا الاجتِماعيّة؟
ما يفعلُهُ المنطقُ والعقلُ هو مُحاوَلةُ تبرير هذه التحوّلات، والعُثور على أدلّة وحججٍ تدعمُ قناعاتِنا الجديدة. نحنُ لا نُحبُّ أن نرى أنفسَنا عاطفيّين أو باحثينَ عن توافقٍ اجتِماعيّ، بل نُحبُّ أن نقنِعَ أنفسَنا بأننا مدفوعونَ بالعقلِ والمنطِق، لذا، يقومُ العقلُ والمنطِقُ بدورِ المحامي الذي يبحَثُ عمّا يسنُدُ القناعاتِ الجديدة، لإعطائها مظهراً عقلانيّا منطِقيّاً.
في مثالِنا الأوّل، يكونُ التحوُّلُ قد بدأَ بالفعل، فيبدأُ العقلُ والمنطِقُ بالبحث عما يَسنُدُ فكرةَ أنّ الاكتئابَ شيءٌ حقيقيّ وليس كسلاً، سواءٌ أكان دراسات علميّة أو لقاءات بودكاست يتحدّثُ عن الموضوع أو أناساً يُشارِكونَ تجربتَهم في الأمر. والحقيقةُ أنّ هذه كلَّها كانت موجودةً قبل أن يُغيِّرَ الشخصُ قناعتَه، لكنّ “العقل والمنطق” يستحضِرُها بعد أن كانَ يُهمِّشُها، ويُعطيها وزناً بعدَ أن كان يُهمِلُها.
وحين ينتَقِلُ أحدُنا ممّن لا يقتَنِعون بالرياضة إلى حيٍّ جديد، ويكتَشِفُ أنّ جيرانَهُ جميعاً يُمارِسونَ الرّياضة، ويخرُجونَ معاً للمشيِ صباحاً، ويذهَبونَ في جولةٍ بالدّراجات، ويجتَمِعونَ في ملعبٍ للكرة نهايةَ الأسبوع، فسيَجِدُ نفسَه مهتمّاً بالرّياضةِ واللياقة أكثر من قبل، والسببُ ليسَ أنّ جيرانَه قدّموا له بياناتٍ أو إحصاءات عن أهمّيّة الرياضة، بل رغبتُه في الانتماء والزّمالة والمُشارَكة، والنّفورُ من الاستثناء والاستبعاد. سيُحدِّثُه عقلُه عن أهمّيةِ الرياضة، وسيُقنِعُ نفسَه بفوائدِها الصّحيّة، لكنّه لم يكن جاهِلاً بهذا قبل أن تتحوّلَ قناعتُه.
لكن، ماذا نَفعَلُ بهذه الفكرةِ المُقلِقة؟ فكرة أننا لسنا عقلانيّين منطقيّين، بل مدفوعينَ بالعاطِفة وبالرّغبةِ في التوافقِ الاجتِماعيّ؟
هذه فِكرةٌ ذاتُ حدّين، ومِثلَ أيِّ فكرةٍ صحيحة، قد تُستخدَمُ للخيرِ والنّفع، وقد تُستخدَمُ للشّرّ والضّرر.
مثَلاً، تُدرِكُ الماكيناتُ الإعلاميّةُ هذه الفكرة، وتستخدِمُها لأغراضٍ مختلِفة. يعلمُ خبراءُ الإعلام أنّ قصّةً مؤثِّرةً لإنسانٍ محدّدٍ من لحمٍ ودم ستؤثِّرُ في المشاهدينَ أكثرَ من الدّراساتِ والإحصاءات، لذا، ينتَشِرُ المحتوى الذي يُقدِّمُ لك قصّةً مؤثِّرة بخصوصِ قضيّةٍ معيّنة، وإذا كان مغزى القصّة يختلِفُ مع قناعاتِك، فستشعُرُ بالفعل بتناقُضٍ مُزعِجٍ وربّما مؤلِم. قد تَكونُ قناعتُكُ مثَلاً أنّ أكثرَ الرّجالِ خيِّرونَ ونبلاء ولا يظلِمونَ زوجاتِهم وعائلاتِهم، وقد تكونُ هذه القناعة صحيحةً إحصائيّاً، لكنّ فيديو مدّتُه عشرُ دقائق من أحد المؤثّرين يُخبرُكَ بقصّة رجلٍ لئيم بلا أخلاق آذى زوجتَه وظلمَها ستجعلُكَ تتشكّكُ في قناعتك، حتّى لو كانت صحيحة.
وكذلك، تستخدمُ المؤسّساتُ والتجمُّعات حاجتَنا للتوافقِ الاجتماعيّ في قمعِ الاختِلاف ومحاصَرةِ الرّايِ الحرّ. وفي المقابل، يُمكنُ أن نستفيدَ من معرفتِنا بأهمّيةِ التوافقِ الاجتماعيّ في بناء دائرتِنا الاجتماعيّة ممّن يُسهّلونَ علينا الخيرَ والفضيلة والنّجاح والاجتِهاد.
فالخُلاصةُ إذن أنّ هذه الفكرة مهمّةٌ لنفهمَ أنفسَنا بشكلٍ أفضل، ولكي نوظِّفَها لصالحِ القضايا الخيّرة والعادِلة، ونتنبَّه لآثارِها السلبيّة المحتمَلةِ علينا وللاستخدام السّلبيّ المُغرِضِ لها في سياقاتِ الحياةِ المختلِفة.


