التماهي الإسقاطيّ Projective Identification هو إحدى آليّات الدّفاع التي وصفَها التّحليل النّفسي، وهي آلية دفاع حديثة نسبيّاً من حيث ظهورها في تراث التّحليل النّفسي.
هناك آلية “الإسقاط Projection” وهي من الآليّات الشّائعة التي وُصِفت قديماً في التّحليل النّفسي، وتعني مُحاوَلة الإنسان التخلّص من نزاعِه النّفسيّ الدّاخليّ بعزو أجزاء منه إلى الآخَرين، مثل أن يُقنِعَ طالبٌ نفسَه أنّ زملاءَه يغشّونَ في الامتحان لتبرير غشّه هو، وأن يَقولَ الموظّف إن نظراتِ زميلِه له مليئة بالمكر لتبرير وشايتِه هو بزميلِه وحديثِه عنه بالسّوء في غيابه، وهكذا.
أمّا التماهي الإسقاطيّ فهو يمتازُ عن الإسقاط بأنّه يتضمّنُ مُحاوَلةَ الشّخص، دونَ وعيٍ منه، أن ينقُلَ حالتَه الوجدانيّة غيرَ المُريحة إلى شخصٍ آخَر، أي هو حالةٌ من “العدوى العاطفيّة”.
هذه الظّاهرة في أصلِها ظاهِرةٌ طبيعيّة، فجميعُنا نحتاجُ إلى قدرٍ من الشّعور بأنّ مشاعرَنا مُبرّرة، وأنّ القريبينَ منّا يُشاركونَنا إياها. حين أُحدّثُ زوجَتي عن شيءٍ يُحزِنُني أو يُغضِبُني، فأنا أتوقَّعُ منها قدراً ولو بسيطاً من الحزن والغضب، لأنّ غيابَ ذلك تماماً سيُشعِرُني أنّ مشاعري غيرُ مبرّرة، أو أنّها لا تكترِثُ لمشاعِري.
لكنّ الظّاهرة قد تَكونُ دالّةً على وُجودِ اضطِراب وحالةً غيرِ صحّيّة إذا تجاوزتْ حُدوداً معيّنة، وأصبحتِ الوسيلةَ الوحيدةَ أو المفضّلة لنقلِ مشاعرِنا للأخَرين.
مثَلاً، من المفهوم أن تتعاطَفَ زوجَتي مع حُزني أو غضَبي ضمنَ نطاقٍ معقول، لكن من غير الطّبيعي:
ــــ أن أتوقّعَ منها دائماً أن تغضبَ لغضبي وتحزنَ لحُزني.
ــــ أن أتوقّعَ منها أن تُشاركَني القدرَ نفسَه من الحزن والغضب، فهي قد تتفهّمُ وتتأثّر، لكنّها لن تتطابقَ معي في مستوى شُعورِها بالضّرورة.
ــــ أن أتوقّعَ من الآخَرين خارجَ دائرتي الضّيقة الأمرَ نفسَه، مثلَ أن أتوقّع من مديري في العمل، أو مدرّس أطفالي، أو جميع أقربائي، أو من يُتابعُني على السّوشال ميديا، أن يُقدّرَ مشاعري ويتأثَرَ بها وأن ينتقَلَ شُعوري الوجدانيّ إليه بالقدر الذي أرغبُه.
ــــ ألا تكونَ لديّ القُدرة على تقديم أسباب منطقيّة لحزني أو غضبي، وأن أعتبرَ أنّ مجرّدَ شعوري بهذه المشاعر هو بحدّ ذاته مصدرُ شرعيّتِها دونَ الحاجة لأيّ تفسير.
ــــ أن يتملّكني الغضب وأتّهم الآخَرين باللامبالاة أو التكلّس أو عدم الاكتراث لمجرّد أنّهم لا يُشاركونني مشاعري.
بشكلٍ ما، التماهي الإسقاطيّ حالةٌ طُفوليّة، فالأطفالُ الصّغار يستخدمون -بلا وعي- مشاعرَهم بالدّرجةِ الأولى من أجلِ إثارة تعاطف الآخَرين وتحقيقِ احتياجاتهم، لكنّهم ينمونَ مع الوقت، وتنشأً عندَهم من خلال النّضج والتربية السّليمة القُدرةُ على التفريق بين مشاعرهم ومشاعر الآخرين، وتتطوّرُ عندَهم ملَكاتُ الإقناع واستخدام اللغة ودعم احتياجاتهم من خلال المنطق والإقناع والمساومات والبحث عن الحُلول المرضية للطّرفين وهكذا، كما أنّهم يُطوّرون وعيَهم الاجتماعيّ بالفرق بين العائلة الصّغيرة وتلك الممتدّة والجيران والأصدقاء وزملاء الدّراسة والعمل والغرباء، ويفهمونَ بالتّدريج ما يُمكنُك أن تتوقّعه أو لا تتوقّعَه من كلّ دائرة.
وحتّى الأصحّاءُ من البالغين قد تمرّ بهم لحظات أو أوقاتٌ “طفوليّة” يستخدِمونَ بها التماهي الإسقاطيّ، لكن في نطاق ضيّق ومحدود ومؤقّت، مثل التّعامل مع شريكنا في لحظة أزمة استثنائيّة.
لكنّ المشكلةَ أن يكونَ هذا هو طابَع المشاركة العاطفيّة والمتوقّعَ دائماً من العلاقات عند شخصٍ بالغ. هذا ما نراه أحيانا في بعض اضطراباتِ الشخصيّة، مثل الشخصيّة الحدّيّة أو المسرحيّة أو النرجسيّة. هذا يؤدّي إلى أن يُصبِحَ الشّخصُ مصدرَ توتّرٍ في العلاقة العاطفيّة أو المنزل أو بيئةِ العمل، لأنّ من يستخدمُ التماهيَ الإسقاطيّ دائماً مع محيطِه يتشكَّلُ مع الوقت تصوُّرٌ عنه بأنّه متلاعب، أنانيّ، حاجاتُه في المقامِ الأوّل، ورأيُه -الانطباعيّ وغيرُ المدعوم بأدلّة- بخصوص الآخَرينَ هو ما يجِبُ أن يسود. كما أنّ الأشخاصَ الذي يستخدمون التماهي الإسقاطيّ بكثرة يرفَعون دائماً من وتيرة المشاعر في بيئتِهم، لأنّ المشاعرَ القويّة والقاطِعة هي وسيلتُهم لتحقيقِ الحاجات وكسبِ الآخَرين لصفّهم وبناء التّحالفات وتحديد الأصدقاء والأعداء.
هذه الأشياءُ كلُّها تحدُثُ من دونِ وعيٍ بالأساس، فهي نتاجُ تطوّرٍ غير سليم في الشّخصيّة ونضجِها، لكنّ من يستخدِمونَها قد يُلاحِظونَ مع الوقت أنّها تخدِمُهم، فيُحجِمونَ عن تغييرِها أو يرفُضونَ نقاشَها. لكنّ المشكلةَ أنّ النجاحات التي تُحقّقُها هذه الحالة يغلبُ أن تكونَ قصيرةَ الأمد، وكثيراً ما تكونُ النتيجةُ خساراتٍ كبيرة، مثل الاستنزاف التّامّ للشريك العاطفي وشعوره بالهامشيّة وانتهاء العلاقة، أو ضجر زملاء العمل بالبيئة المتوتّرة التي يخلقُها هذا الشّخص، أو اصطِدام الشخص بمتطلّبات الحياة الصّلبة التي لا تُجامِلُ ولا تخضَعُ لمشاعرنا ورغباتِنا.
والعلاجُ النّفسيُّ الديناميكي يُمكِنُ أن يُنيرَ للشخص الكثير عن ظُروف تشكّل هذه الوسيلةِ الدّفاعيّة، وأن يُكسِبَه وعياً بآثارِها الضّارّة، وأن يُمكّنَه من أنماطٍ تعبيرٍ وتواصُلٍ وارتِباطٍ أكثرَ نُضجاً وصحّة، وقد وصفتُ هذا العلاجَ بالتّفصيل في الفصل الحادي عشر من كتاب “لماذا نكتئب وكيف نتعافى“.


