من أينَ يأتي التّفكيرُ الزّائد؟

من أينَ يأتي التّفكيرُ الزّائد؟

Where does overthinking come from?

تناولنا بالتّفصيل خمسة أنواعٍ من التّفكير الزائد في مقالٍ سابق، وفي هذا المقال نبحَثُ في أسبابِ التّفكيرِ الزّائد ومصادِرِه.

أولا: الدّماغ وعملُه

هُناك نقطة تأسيسيّة في هذا الموضوع، وهي أنّ الدّماغ ليسَ عُضواً إراديّاً تماماً، وليس عُضواً لا إراديّاً تماماً. عضلةُ الذّراع عضلةٌ إراديّة، ولا تتحرّكُ من تلقاءِ ذاتِها من دون أن يُقرِّرَ صاحبُها ذلك. عضلةُ المعِدة هي العكسُ تماماً، فهي تعملُ باستِقلالٍ عن إرادتِنا. الدّماغُ حالةٌ في الوسط، فهو ليسَ خاضِعاً تماماً لإرادتِنا، وليس خارجاً تماماً عنها. بالتّالي فالتّعامُلُ مع التّفكيرِ الزائد يقتَضي أن نفهمَ هذه الحقيقة، ونوجِّهَ هذا الفهم لمصلحتِنا.

ثانياً: الدّماغ مصمَّمُ للتّعامُلِ مع الأخطار

دماغُنا أكثرُ كفاءةً في تحديدِ المخاطرِ وتذكُّرِها منه في تحديد المنافع وتذكُّرِها. الدّماغُ عضوُ بقاء واستِمرارٍ أوّلاً، وعُضو رخاء ومُتعةٍ ثانياً. بالتّالي، فهو متحفِّزٌ إزاءَ المخاوف والمخاطِرِ الجسديّة والنّفسيّة بأنواعِها المختلِفة، ويُحاوِلُ تذكُّرَها من أجلِ توقُّعِها حتّى قبلَ أن تقع. لهذا، لا يحتاجُ الدّماغُ إلى كثيرٍ من التّعليم والتّدريب كي يتلمّسَ مواضعَ الخوف والخطر والجوع والفقد والإهانة، لكنّه يحتاجُ إلى تعليمٍ وتدريب لكي يضعَ هذه المخاوفَ في حجمِها الحقيقيّ، ولكي يُقدِّرَ الأشياء الجيّدة ويمتنَّ لها ويستمتِعَ بها. لم يُخطِئ من قال إنّ “لذّة العيش اختِلاس” لأنّ الدّماغَ يعبُرُها سريعاً ليَعودَ إلى وظيفتِه الأساسيّة في الاستمراريّة والبقاء والتيقُّظ.

ثالثاً: الدّماغُ قد يُسرِفُ ويُبالِغُ في تعلّمِ الأخطار وتوقّعِها

التعلُّمُ جيّد، لكنّ المُبالَغةَ في التعلُّم قد تُصبِحُ مُشكِلةً بحدّ ذاتِها. من يتأخَّرُ عن موعدٍ مهمّ، من المُفيدِ أن يُكسِبَه هذا استعداداً أفضل للمرّاتِ القادمة، لكن إذا لم يعد ينامُ الليل قبلَ مواعيدِه المهمّة، فهذه مُبالَغةٌ في التعلُّم تضُرُّ ولا تنفع. الأمرُ يُشبِه عملَ جِهازِ المناعة، فمن المُهمّ لهذا الجِهاز أن يكونَ فعّالاً متيقِّظاً حذِراً ومتنبِّهاً للأخطار، لكنّ هذا الجِهاز في بعضِ الحالاتِ المرضيّة يخرُجُ عن السيطَّرة، ويستَجيبُ لأخطارٍ ضئيلةٍ بشراسةٍ وانفِلات، بل يُهاجِمُ خلايا الجسمِ نفسَها أحياناً، ويُصبِحُ هو بحدّ ذاتِه مُشكِلةً بحاجةٍ إلى كبح.

رابِعاً: الدّماغُ عُضوٌ اقتِصاديّ

الدّماغُ يستهلِكُ الكثيرَ من الطّاقة ويُعالِجُ كمّاً هائلاً من المُدخَلات، وهو عُضوٌ كفءٌ في التّفكيرِ الهادئِ التّحليليّ. لكن، عندَما يتعلَّقُ الأمرُ بالبقاء والاستمرار والاستجابة للمخاوِف والمخاطِر، فإنّ الدّماغَ يُعطي الأولويّةَ للبَقاء والاستِمرار، ولو على حسابِ الدّقّة والتّحليلِ المتأنّي. 

بالتّالي، ستَجِدُ دماغَكَ يتنبَّهُ بسرعة إلى تشابُهٍ ولو طفيف بين موقِفٍ تُحاوِلُ أن تُقرّرَ بشأنِه، وبين موقفٍ آخَرَ قبلَ سنواتٍ طويلة تعرّضتَ فيه إلى خسارةٍ أو خوفٍ أو ألمٍ أو مهانة. معَ أنّ وجهَ الشّبهِ قد يكونُ بعيداً جِدّاً أو حتّى غيرَ موجود، إلا أنّ دماغَكَ قد يلتَقِطُ أيَّ شيءٍ مُشترَك، حتّى ولو كان الطّقس أو الوقتَ من اليوم أو المكان. كُلَّما كانَ الموقِفُ الأصليّ أكثرَ خطَراً، يُدوِّنُ الدّماغُ ظُروفَه المحيطة بانتِباهٍ أكبر. وحينَ يأتي موقِفٌ جديد، يُفضِّلُ الدّماغُ أن ينتَبِه سريعاً إلى الخطر، بدلاً من أن يصرِفَ الكثيرَ من الجهد والوقتِ والطّاقةِ في التّحليلَ المتأنّي.

خامِساً: البشر يتفاوَتون في تقديرِ دماغِهم للمخاوف

لأسبابٍ متنوّعةٍ ومتداخِلة، نحنُ لسنا سواءً في تقديرِ أدمغتِنا للأخطارِ والمخاوِف. بعضُنا أكثرُ ميلاً إلى ملاحَظةِ المخاوِف، أو تقديرِ حجمِها، أو توقِّعِ حُصولِها، أو التوقُّفِ مطوَّلاً عندَها إذا وقعت، أو تذكُّرِها، أو التّعلُّم الزائدِ منها، أو تغييرِ السُّلوكِ المستقبليّ بناءً عليها. ومن هُم أكثرُ ميلاً إلى ما سبق، يميلونَ إلى التّفكيرِ الزّائد.

سادِساً: التّجارِب

فالعلاقةُ بين إدراكاتِنا وبين التّجربة علاقةٌ ديناميكيّةٌ في الاتّجاهَين، والتّفكيرُ الزّائدُ بالتّالي ليس عائداً إلى الدّماغِ أو تكوينِ الشّخصيّةِ فحسب، بل هُناكَ ظُروفٌ حقيقيّةٌ موضوعيّةٌ تجعلُ بعضَنا أكثرَ ميلاً إلى التّفكيرِ الزّائد. قد يكونُ بمقدورِ الإنسان مثَلاً أن يتجاوزَ مرحلةً عابِرةً كانت ظُروفُ حياتِه فيها متقلّبةً وصعبةَ التوقُّع. لكن إذا كانتْ حياةُ الإنسانِ منذُ ميلادِه سلاسلَ متتاليةً من الظُّروف الصّعبة واللايَقين وضبابيّةِ الاحتِمالات، وإذا كانت ظُروفُه السياسيّةُ والاجتِماعيّةُ والاقتِصاديّةُ خارجَ سيطرتِه إلى درجةٍ تجعلُه في عُرضةٍ دائمةٍ للمخاوِف، فمن الطّبيعيّ أن يترسَّخَ عندَهُ التّفكيرُ الزائد.

سابِعاً: نحنُ نُرسِّخُ تفكيرَنا الزّائد من خِلالِ اللّغة

فمعَ أنّنا قد نُنتبِهُ أحياناً إلى أنّ تفكيرَنا الزّائدَ زائدٌ بالفعل، وقد نُقِرُّ أحياناً أنّهُ مشكلةٌ بحاجةٍ إلى حلّ، إلا أنّنا لا نستَطيعُ أن نكونَ دائماً تحتَ عبءِ أنّ تفكيرَنا خطأ أو مُبالَغ فيه، ونلجأُ بالتّالي إلى تبريرِ التّفكيرِ الزائد وما يُصاحِبُه من قلق ومشاعرَ مُختلِفة. يُمكِنُ أن نسمِّيَهُ حذَراً أو يقظة أو تحليلاً للمخاطِر أو غيرَ ذلك. هذا الأمر، إذا كان بقدرٍ معقول غيرِ مُعطِّل، يُمكِنُ أن يدخُلَ في دائرةِ التّكيُّف.

لكنَّ الأمرَ يأخُذُ منحى مختلِفاً حينَ يتشكَّلُ خِطابٌ كامل يُرسِّخُ هذه الحالة بدلَ أن يُحاوِلَ التّعاملَ معَها إيجابيّاً. كثيرٌ من خِطاباتِ التّخويف والانعِزال واتّهامِ الآخَرين بالسّمّية تصلًحُ أمثِلةً على هذا.

ثامِناً: نحنُ نُكرّسُ تفكيرَنا الزائد في علاقاتِنا وحياتِنا الاجتِماعيّة

الأفكارُ والمشاعِرُ تترجِمُ نفسَها بأشكالٍ مختلِفةٍ إلى سُلوك، وبالتّالي يُمكِنُ أن يلجأَ الإنسان إلى تفصيلِ حياتِه الاجتِماعيّة على مقاسِ أفكارِه، وذلك ليتجنَّبَ الصِّدامَ المستمِرَّ بين أفكارِه ومشاعرِه من جهة وبين حياتِه الاجتِماعيّة من جهةٍ أخرى.

لذا، كثيراً ما يجِدُ صاحبُ التّفكيرِ الزّائد نفسَه ينفِرُ من المتفائلين أو من يأخُذونَ الحياةَ ببساطة أو من لا تنشِغلُ أذهانُهم بالاحتِمالات السّلبيّة، ويَجِدُ نفسَه بالتّالي مُحاطاً بمن يُعيدونَ عليه مخاوِفَه ويؤكِّدونَها.

تاسِعاً: نحنُ قد ننجَذِبُ إلى مخاوفِنا

من المنطِقيِّ أن يحذَرَ صاحِبُ التّفكيرِ الزائد من مخاوفِه بقصدِ تجنُّبِها. لكن يحصُلُ أحياناً شيءٌ لافِتٌ جدّاً للنّظر، وهو أنّ تحقٌّقَ مخاوِفِ صاحبِ التّفكيرِ الزائد لا يعودُ شيئاً يُزعِجُه. السّببُ هو أنّنا كبشَر يُرهِقُنا أن نبدوَ دائماً وكأننا نعيشُ في أوهام، وأنّ مخاوفَنا بلا أساس، وأنّنا ننغِّصُ الحياةَ على أنفسِنا بلا داعٍ.

بالتّالي، حين يتحقّقُ شيءٌ من المخاوف، قد يشعُرُ صاحِبُ التفكيرِ الزّائد بنوعٍ من التّوكيد والمِصداقيّة لمخاوفِه، وذلك على طريقة “ألم أقلْ لكم؟”

بالتّالي، لا تعودُ المخاوِفُ شيئاً نتجنّبُه، بل قد نُفضِّلُ وقوعَ شيءٍ منها يُبرِّرُ لنا تفكيرَنا الدّائم ويحمي تماسكَنا النّفسيّ ولو على حسابِ منفعَتِنا. وغنيُّ عن القول إنّ هذه ليست حالةً صحيّة.

عاشِراً: التّفكيرُ الزّائدُ قد يُصبِحُ هو الثّابت، والمضمونُ مجرّدَ تفاصيل

إذا تمكّنَ التّفكيرُ الزائدُ من الإنسان، فإنَّهُ قد يُصبِحُ سمتاً دائماً. لا يعودُ مضمونُ التّفكيرِ الزّائد مهمّاً، فحتّى في غيابِ مخاوِفَ واضِحة، قد يظلُّ التّفكيرُ الزائدُ حاضِراً، وقد يجتَذِبُ الدّماغُ شيئاً ما من مكانٍ ما لكي يقلَقَ ويُسرِفُ في التّفكيرِ بشأنِه. هذا يعني أنّ الإنسانَ اعتادَ هذهِ الحالة بحيثُ أصبحتْ سمتاً، أما “الحشوة” التي تُشكِّلُ موضوعَ التّفكير فهي تفصيلٌ ثانويّ.

وبعدَ هذا العرض لأسبابِ التّفكيرِ الزائد وطريقةِ ترسُّخِه، نتحدّثُ في المقالِ المقبل عن طريقةِ التّعاملِ معه.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة