لماذا نشعُرُ بالوحدةِ وفراغ الذّات؟

لماذا نشعُرُ بالوحدةِ وفراغ الذّات؟

Why do we feel lonely and empty?

هنالكَ عالَمٌ كامِلٌ على مرمى ضغطةٍ إلكترونيّة من إنسانِ هذا الزّمن، لكنّه أكثرُ وحدةً وعزلةً من إنسانِ الكهف والغابة والحقل. لماذا؟

تتوفّرُ لإنسانِ هذا الزّمن إمكانيّاتٌ للتواصُلِ مع الأخَرين لم يكن ليتخيَّلَها حتّى أجدادُنا الذين عاشوا في القرنِ الماضي، لكنّ إنسانَ هذا العصر يُعاني من وحدة غير مسبوقة وفراغٍ عاطفيٍّ مؤلِم، ويحتَلُّ الحديثُ عن الوحدةِ والعزلةِ والفراغ حيّزاً كبيراً من خطابِه وشكواه. وليس بإمكانِنا أن نُعالِجَ هذه الحالةَ من دونِ أن نفهمَ رحلتَنا إليها.

أفولُ عالَمٍ قديم

شُعورُ الإنسان الحديث بالعزلة ليس موضوعاً جديداً، فعلى امتِداد القرن الماضي تنتشر كتاباتٌ تتحدّثُ عن وحدة الإنسان واغتِرابِه وخوائه. تعكِسُ تلكَ الكتاباتُ المرحلةَ الأولى من الطّريقِ إلى العُزلة، وهي المرحلةُ التي بدأَ فيها الإنسانُ يشعرُ بالفعل أنّ عالماً قديماً يتوارى. هذا العالَمُ هو عالَمُ القريةِ الصّغيرة، والأسرةِ الممتدّة، والمناسبات الجامِعة، والتديّن الجماعيّ، وروح التّلاحم العضويّ مع المحيط، مجتمعاً وطبيعة.

هذا العالَمُ بدأ يتوارى تدريجيّاً لصالِحِ عالَمِ المدينة الكبيرة، والأسرة الصّغيرة، والمصنَع الموحِش، والتديّن الفرديّ أو اللاتديّن، والعلاقات المحدّدة مع المحيط.

لم يكُن هذا التغيُّرُ سيّئاً في جميعِ نواحيه، فهو قد منحنا الكثير، مثل التقدُّم الصّناعيّ والتكنولوجيّ، والطّبّ الحديث والرّعاية الصّحيّة المتقدّمة، والأنماط الحديثة في السياسة والاقتِصاد. وفوق ذلك، أعطانا “روح المدينة” التي لم يعُد أكثرُنا يستطيعُ الاستغناءَ عنها، هذه الرّوح التي تمتازُ باستقلالِ الحيّز الخاصّ عن العامّ، وبالخُصوصيّة والفردانيّة، وبتعدّد الخيارات الاجتماعيّة، وبإمكانات التحقُّقِ المهنيّ، وبنزعاتٍ ثقافيّة وفنّيةٍ وأدبيّةٍ فكريّة لا يُمكنُ أن تنشأ إلا في عالم المدينة.

إذن، كانت هذه المرحلةُ الأولى تنطوي على مُقايَضة واعية: يعلَمُ إنسانُ المدينة ماذا يفقِدُ وماذا يكسَبُ بانتمائه إليها. هو خيارٌ واضِحٌ ومفهوم، وحِسبةُ الرّبحِ والخسارةِ فيه بيِّنة، ورغمَ تذمُّرِ كثيرينَ من تبِعاتِ هذا الخيار، إلا أنّ أكثرَنا يُفضِّلُ عالمَ المدينةِ على عالم القرية، رغمَ وعيِنا بالتّضحية.

أين تحدُثُ الحياة؟ 

رغمَ ما انطوى عليهِ عالَمُ المدينةِ من عُزلةٍ ووحشة، إلا أنّ الحياةَ ظلّتْ تحدُثُ في متناوَلِ ساكنِ المدينة. الحياةُ هي ما يحدُثُ في بيتِه وحيّه ومصنعِه وشركتِه ودارِعبادتِه ومقهاه ومسرحِه. أصبحتِ العلاقاتُ الاجتماعيّةُ أكثرَ تحديداً ومحدوديّة، لكنّها ظلّت واضِحةَ المعالم. 

أما إنسان اليوم، أي إنسانُ ما بعدَ الانترنت والتواصل الفائق والسوشال ميديا والذّكاء الاصطناعيّ، فهو لا يعلَمُ أينَ تحدُثُ الحياةُ بالضّبط. تبدو الحياةُ له شيئاً أثيريّاً هُلاميّاً، مفكّكاً ومُفتّتاً، قريباً وبعيداً، في متناوَلِ اليد وعلى بُعد مجرّةٍ في الوقتِ نفسِه.

الصّحّةُ الكامِلةُ والجسدُ الفائق والنّجاحُ الباهِر والرّيادةُ الماليّة والجمالُ السّاحر والحظوةُ الاجتِماعيّة والشُّهرة الذّائعة. تبدو كُلُّها فائضةً جدّاً في هذا العالم، وشحيحةً جدّاً في الوقتِ نفسِه. تبدو كُلُّها في هذا العالَمِ سهلةَ التّحقيق وعلى بُعد خُطواتٍ محددّة، وتبدو في الوقتِ نفسِه في غايةِ الصُّعوبةِ والامتناع.

في هذا العالم الجديد، كُلُّنا مرّ بتجربةِ العثورِ بالصّدفةِ على حسابِ مشهورٍ من مدينتِه أو بلدِه يُتابِعُهُ الملايين، دونَ أن يكونَ قد سمِعَ به من قبل، ودونَ حتى أن يعرِفَ شخصاً يعرِفُه. حالةٌ غريبةٌ من الشُّهرةِ الخارِقة والمنزويةِ في عالمِها الخاصّ في الوقتِ نفسِه.

هذهِ هي المرحلةُ الثّانيةُ من رحلةِ الإنسانِ الحديثِ نحوَ العزلة. في المرحلةِ الأولى، كان إنسانُ المدينةِ الجديدة واعِياً بخيارِه وبما ينطوي عليه، وظلّتْ حياتُه الجديدة، بسلبيّاتِها وإيجابيّاتِها، تحدُثُ حولَه وضمنَ نِطاقِ فهمِه. أما إنسانُ المرحلةِ الثّانية، إنسانُ التواصلِ الفائق والذّكاءِ الاصطناعيّ، فهو لا يعلَمُ أين تحصُلُ الحياةُ بالضّبط، ولا يعلَمُ ماذا اختارَ بالضّبط كي يُصبِحَ ما هو عليهِ الآن، ولا يعلَمُ ماذا قبِلَ أو رفضَ كي يتشكّلَ واقِعُه بالطّريقةِ التي يراها حولَه.

كمِثالٍ بسيط، يجلِسُ إنسانُ المرحلةِ الثّانية إلى جوارِ صديقِه المُقرّب في السينما. يختَلِسُ كلٌّ منهما النّظَرَ إلى هاتِفِه في منتَصَفِ الفيلم. يذهَبُ كلٌّ منهما إلى عالَمٍ متشعّبٍ ومتداخِلٍ وغيرِ متوازٍ لمدّة دقيقة أو اثنتَين. يسوحُ كلٌّ منهُما في تيّارِ وعيٍ هجينٍ وغيرِ مُتجانِس، ويختَبِرُ كلٌّ منهما مخاوِفَ وأحزاناً ورغَباتٍ ومطامِعَ شديدةَ التنافر خلالَ تلكَ الدّقيقتَين. يعودانِ إلى الفيلم. لقد حصلتْ حياةٌ مختلِفةٌ جدّاً في تلك الدّقيقتَين، لكنّها لم تحصُلْ بينَهُما، بل في مكان بعيدٍ جدّاً وعصيٍّ على التعريفِ والرّصد.

إذن، عُزلةُ إنسانِ اليوم فريدةٌ ومُربِكة، وتطرَحُ عليه أسئلةً أصعبَ من محدوديّة خياراتِه الاجتِماعيّة، ومن وحشةِ المدينة، ومن الخروجِ من المنزِلِ للقاءِ بشَرٍ آخَرين. إنّها أسئلةٌ في صميمِ ما يُريدُه من نفسِه، قبل أن تكون متعلّقةً بما يُريدُه ممّا حولَه، وممّن حولَه.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة