لماذا نتحدّثُ عن الأمراض النّفسيّة أكثرَ من جميعِ أسلافنا؟

لماذا نتحدّثُ عن الأمراض النّفسيّة أكثرَ من جميعِ أسلافنا؟

لو أخذنا مقطعاً شاملاً في حياة الناس قبل عشرين أو خمسين أو ألف سنة، وقارنّا حجم الحديث عن الأمراض النفسية والصحة النفسية، لوجدنا بلا شك أننا نتحدث عن الصحة النفسية اليوم أكثر بكثير عن حديث البشر عنها في أي وقت سابق. والتساؤل الطبيعي الذي تطرحُه هذه الحقيقة هو: لماذا؟ هل نعاني من الأمراض النفسية أكثر من قبل؟ أم أنها كانت موجودةً بالقدر نفسه ولكننا أصبحنا أكثر اهتماماً بالحديث عنها؟ أم كلاهُما؟

هناك عواملُ عديدة ينبغي نقاشُها للإجابةِ على هذا السّؤال.

أوّلاً: الانتشار الفعلي للأمراض النفسيّة

بعض الأمراض النفسيّة لها مكوّن جيني وبيولوجيّ قويّ، وهي بالتالي على قدرٍ عالٍ من الثبات من ناحية نسبةِ وجودها الفعليّ في المجتمع. مرض الفصام (شيزوفرينيا) هو المثال الأبرز، فالدراسات السكّانية التي أجريت على مجتمعات بشرية متنوعة جدّا في كلّ شيء (مثل التكوين العرقي والجغرافيا والأديان ومستوى الحياة والنمو الاقتصادي والثقافة وغيرها) أظهرت وجود هذا المرض في جميع المجتمعات بنسب متقاربةٍ جدّاً، ما يُشيرُ إلى أنّ وجود هذا المرض لا يعتمِدُ على تقبّل الثقافة له أو رفضها، ولا على مستوى الحديث عنه أو التكتّم عليه، ولا على أيّ مكوّن ثقافي. 

فوق ذلك، لا نجدُ في الدراسات السكّانية تزايُداً ولا تناقُصاً في نسب وجودِ هذا المرض، فهو ثابتٌ زمنيّاً، ولا يخضَعُ بالتّالي للمكونات الثقافيّة التي تتغيّرُ مع الزّمن.

لكن حتّى مع هذا المرض، الثابت في نسبته عبر الزّمن وعبر الثقافات، تؤثِّرُ الثقافةُ كثيراً في شُعور النّاس بمقدارِ وجودِه وانتشاره في المجتمع. في سياقِنا العربيّ، كان أهلُ المصاب بهذا المرض يُحاوِلون احتواءَه بجميع الطّرق، مثل ملازمة المريض للبيت وقلة اختلاطِه بالناس والتكفل بحاجاته الأساسية دون أن يضطرّ للعمل، وفي الحالات الشديدة يُدخَل المريض للمصحّات النفسية قليلة العدد والموجودة على أطراف المدن.

بالتّالي، حتى الأمراضُ ذاتُ النسب الثابتة مثل الفصام يتأثَّرُ حضورُها في المجتمع والثقافة إلى حدّ بعيد بالثقافة السّائدة وبنظرة المجتمع للأمراض النفسيّة.

في المقابل، هناك دراساتٌ واضِحةٌ تؤكِّدُ أنّ بعضَ الأمراض النفسيّة في ازدياد، والاكتئاب مثالٌ واضِحٌ على ذلك. فازديادُ الحديث عنه متأثِّرٌ إلى حدٍّ ما بكونِ الظّاهرةِ نفسِها في ازدياد.

ثانياً: كفاءة التّفسيرات البديلة

يتأثّرُ حضور الأمراض النفسيّة في نقاشنا العامّ وثقافتنا السّائدة بمدى كفاءة التفسيرات البديلة للأمراض النفسيّة.

في حالة الفصام، ليسَ هناك تفسيراتٌ بديلةٌ على كفاءةٍ عالية ومقبوليّة كبيرة في المجتمع، فعزو هذا المرض للعين والسّحر والحسد والجنّ ولحدثٍ صادِم بعينه كُلُّها أمورٌ موجودة، لكنّ مقبوليّتَها العامّة تظلّ محلّ شكّ. بالتالي، ظلّ هذا المرض في سياقنا العربيّ معزولاً إلى حدّ بعيد عن الحديث العامّ.

أما في حالة الاكتئاب مثلاً، فهُناكَ العديد من التفسيرات البديلة التي يُمكنُ أن تحظى بمقبوليّةٍ اجتماعيّة عامّة، مثل تقاعُس الشّخص وكسلِه، أو ضعف الشخصيّة، أو ضعف التديّن، وغيرِها. بالتّالي، لم يكن السّياقُ العربيّ محتاجاً بشكلٍ مُلحّ للحديث عن الاكتئاب باعتباره مرضاً نفسيّاً لأنّ هناك العديد من التفسيراتِ البديلة التي كان المجتمَعُ يفضِّلُها ويقبلُها لأسبابٍ مختلِفة.

ومع ازدياد مقبوليّة الحديث عن الاكتئاب بوصفِه مرضاً نفسيّاً، يزدادُ حُضورُ الحديث عنه في المجال العامّ، فالظّاهرةُ حين تأخذ صفة “المرض” تزدادُ مقبوليتُها وتقلّ الوصمةُ المرتبطة بها، ويزدادُ بالتّالي الحديثُ عنها.

ثالثاً: فعالية ومقبوليّة وسائل التكيّف الاجتماعي

كلما كانت هناك وسائلُ فعّالة للتكيّف مع المرض النفسي دون الاعتراف به كمرض، كانتِ الحاجةُ للحديث عنه في المجال العامّ أقل. بلغة أخرى، فعالية وسائل التكيّف المتاحة تتناسبُ عكسيّا مع الاعتراف بالمرض النفسيّ بوصفِه مرضاً.

مثَلاً، من المعلوم أن كثيرينَ في الغرب يتكيّفون مع الاكتئاب من خلال الإفراط في الكحول. كان هذا الأمرُ في عقودٍ خلت مقبولاً ومتوقَّعاً بقدرٍ أكبرَ بكثير منه اليوم، فصورةُ الرّجلُ الذي يشربُ بإفراطٍ كُلَّ يوم وينهرُ زوجتَه ويُعنِّفُ أطفالَه لم تكن منفِّرةً في الثلاثينيّات والأربعينيّات من القرن الماضي بالقدرِ نفسِه لما هي عليه اليوم. يُضافُ لذلك أنّ الرجلَ اليوم تُسائله الحكومة إذا عنّفَ زوجتَه أو أطفالَه، وهو محتاجٌ لقيادة السّيارة للعمل، وهذه كُلُّها تجعلُ من الكحولِ اليوم شيئاً أخطرَ بكثير مما كانت عليه في عقودٍ خلت. بالتّالي، لم تعد هذه وسيلةً مقبولةً للتكيُّف، وبالتّالي، ازدادَ حديثُ الرّجالِ عن اكتئابهم وكذلك حديثُ المجتمَع.

ويُمكِنُ قولُ الأمرِ نفسِه عن كثيرٍ من الاضطراباتِ النّفسيّة في مجتمَعاتٍ مختلِفة، فما كان شجاعة وبأساً وتنكيلاً في الأعداء في زمنِ حُروب القبائل والإغارات أصبح اليوم “شخصية معادية للمجتمَع”، وما كان رُجولةً مقبولة وفرضاً ضروريّا للهيمنة على البيت وشؤونه أصبح نرجسيّة، وما كانَ تقلُّباً مِزاجيّاً وطيشاً تحاوِلُ العائلةُ احتواءَه صار اضطِراباً مزاجيّاً بحاجةٍ لعلاج.

بالتّالي، كلّما تضاءلتِ المساحةُ التي يُمكنُ للاضطرابِ النّفسيّ أن يتحرّكَ ويتكيّفَ خلالَها في المجتمَع، زادَ اعتِبارُه مرَضاً نفسيّاً بحاجةٍ لعلاج، وبالتالي بحاجةٍ للحديثِ عنه في المجتمَع باعتبارِه مرضاً.

رابِعاً: التعريفُ الاجتماعيّ لما هو “طبيعيّ”

مهما كان المكوّن البيولوجيّ واضِحاً في أيّ مرض، سواءٌ أكان جسديّاً أم نفسيّاً، يظلّ للتعريف الاجتماعيّ لما هو طبيعيّ ولما هو غيرُ طبيعيّ أثرٌ كبير في حضور الحديث عن هذا المرض والاهتمام به في المجال العام.

مثلا، كان من المتوقع أن يصل الكبارُ في السّنّ إلى حالةٍ يفقِدون فيها البصر أو السّمع أو يقعُدون فيها عن الحركة أو يلازمون الفراش، وكان هذا يُعتبر جزءاً من حالة الهرَم والتقدّم في السّن، ولم يكن يُصنَّفُ اجتماعيّاً في دائرةِ ما هو “مرَضيّ”. لكن حينَ تغيّرَ هذا، وأصبحت هذه الأمور تُعرّفُ باعتبارِها “أمراضاً” ينبغي علاجُها أو البحثُ عن علاجٍ لها على الأقلّ، تغيّرتِ الصّورة، وصارَ هناكَ حديثٌ متزايد عن الفحصِ الدوريّ للبصر والسّمع، وضرورة التمارين ورفع الأثقال في الشباب كي تظلّ الكتلةُ العضليّة في آخر العمر، وهكذا.

والأمرُ نفسُه ينطَبِقُ على الأمراضِ النفسيّة، فظواهِرُ مثل القلق المتواصل أو الوسواس المستمرّ أو تردّي المزاج كانت تُعتبَر جزءاً ممّا هو “طبيعيّ” بالتعريف الاجتماعيّ، وبالتّالي على المرء أن يتقبّلَها ويتعامَلَ معها، ولا تكتسِبُ مساحةً خاصّةً في الحديث العام، لأنها جزءٌ من الحياة.

أما حين صارت تُعامَلُ باعتبارِها أمراضاً، فالمرضيُّ حالة استثنائيّة تتطلّبُ تعاملا مختلفا، وبالتّالي فمن الطّبيعيّ أن يتزايدَ حديثُنا عنها.

خامِساً: كفاءة التّفسير الطّبّي

حين يكونُ هناك تفسيرٌ طبّيّ للظاهرة، يتشجّعُ الناسُ على تقبّلها والحديث عنها. بطبيعة الحال، تفسيرُ الاكتئاب ب”اختلالات في النّواقل العصبية في الدماغ” سيشجع الناس على الحديث عنه أكثر، سواء أكان الأمر يتعلق بهم أو بمن يحبون أو بالمجتمع عموما. هذه “المشروعيّة المادية” التي تنقل الأمراض النفسية من ظواهر معقدة إلى تفسيرات مادية مبسطة من أهم أسباب ازدياد حديثنا عن الأمراض النفسية، وهذا أيضا يفسر قوة التمسك بهذه التفسيرات في المجتمع حتى ولو كانت ظاهرة المرض النفسي أكثر تعقيدا من البعد المادّي البيولوجي وحده.

سادسا: وجود العلاج ومقبوليّته الاجتماعية

فالبشر يميلون إلى تفضيل الأسئلة التي يجدون جواباً لها على الأسئلة المعلّقة أو التي يصعب تقبّل جوابها. فحين كانت الأمراض النفسية تعني انعزالاً اجتماعيّا أو إقامة طويلة في مصحّة، فمن المنطقيّ ألا نرغب في الحديث عنها. لكن حين صار من الممكن أن يكون العلاجُ مضادّا للاكتئاب يأخذُه الشخص ويُمارسُ بقية حياته بصورة اعتيادية أو بتغييرات طفيفة، فمن المنطقيّ أن نصبحَ أقلّ تجنّباً للحديث عن الأمراض النفسية، وأن نستدخلَها أكثر في ثقافتنا وحديثنا العام.

سابِعاً: الاستقرار المادي والاجتماعي

وهذه نقطة قد تبدو متناقضة، فكيف يؤدي المزيدُ من الاستقرار إلى مزيد من الحديث عن الأمراض النفسيّة؟

حين تكونُ الجماعةُ البشرية تحت وطأةٍ ظروفٍ قاسية عامة، يتغلّبُ الهمّ الجماعيّ على الفرديّ. حين كانت الوفاة في الثلاثين أمرا متوقّعا بسبب الأمراض المعدية وظروف العمل الصّعبة وبدائيّة الطّب، وحين كانت الحروب والمجاعات تفتكُ بالبشر وتحذف حرفيّا نسبةً لا يُستهانُ بها من السّكان كل بضعة سنوات، وحين كانت نجاة الأم والجنين معاً حدثا يستحق الاحتفال، من المنطقيّ ألا تتبقى الكثيرُ من المساحة للحديث عن الوجدان والشعور والانفعالات والقلق والوسواس وهبوط المزاج. بالتّالي، ثقافة الصحّة النفسيّة وليدةُ قدرٍ ما من الاستقرار.

ثامناً: الفردانيّة

وهذه مرتبِطةٌ بالنقطة السابقة، فالمجتمعاتُ التي تواجهُ مصاعبَ على نطاقٍ واسع تتغلّبُ فيها روحُ بقاءِ الجماعة، لكن مع الاستقرار الاجتماعيّ والمادي تبدأُ الحاجاتُ الفرديّةُ في البحث عن مكانٍ لها، وتبدأًُ التفاوتات والتناقضات بين الفرد والجماعة تتّسع. كما أنّ روحَ التضامن الاجتماعي تخفُت، ويبدأ الناس يسعونَ وراء خياراتٍ اجتماعية أكثر تحديداً وخصوصيّة، وتبدأُ دائرةُ المسؤوليّة الفرديّة تضيق، وتضيقُ معها دائرةُ الدّعم الاجتماعيّ، فالزوجان مثلاً يُصبِحان مسؤولَين عن أبنائهما فقط، لا عن والديهما وإخوتِهما والعائلةِ الممتدّة، وهذا يُراكِمُ الثّروة في نطاقٍ أضيق، لكنّه في الوقت نفسِه يُضيّقُ شبكاتٍ الدّعم الاجتماعيّ.

فالفردانية إذن تعزّز فكرة الحديث عن الصحّة النفسيّة من عدّة جوانب، فهي عامِلٌ يعملُ على أكثرَ من مستوى، إذ تجعلُ الفرد يرى لنفسِه كيانيّةً مستقلّةً عن الجماعة وبالتّالي يُصبِحُ أكثرَ تقبُّلاً للحديث عن نفسِه كوحدة منفصِلة، والفردانية كذلكُ تقلّلُ من مساحاتِ الدّعمِ الاجتماعيّ، والفردانية تزيدُ من مشروعيّة الحلول المهنيّة التخصّصية، مثل الطّبيب النفسي والمعالج النفسيّ، على حساب الحلول الاجتماعيّة.

تاسِعاً: زيادةُ عدد المختصّين في الصّحّة النفسيّة

وهذا انعكاسٌ لكثيرٍ من العواملِ السابقة، لكنه يُصبِحُ كذلك عاملاً إضافيّا، فمن المنطقيّ أن زيادةَ عدد المختصّين في مجال يزيدُ من حضورِه الاجتماعيّ والحديث عنه، وكلّما ازداد عدد المتخصّصين في مجال، زاد احتمالُ أن يكونَ من بينهم من يُحسنون الحديث العام وتوصيل الأفكار ونقل القضايا التخصّصية إلى سياقات اجتماعية وثقافية أوسع.

عاشراً: الميديا والسّوشال ميديا

تصويرُ المرض النفسيّ والعلاج النفسيّ في السينما والمسلسلات والإعلام عموماً انتقل نقلةً هائلة في العقود الماضية، فالأمراض النفسية التي كانت تُصوّرُ كرديف للعنف أو الخوف أو الغرابة انتقلت تدريجيّا لتعكسَ صورة من الحساسية واتّساع العالم الداخلي والتناقض البشريّ الذي نشعرُ كلنا به، بل أصبحت الأمراض النفسيّة في بعض الأحيان رديفاً للشخصيّة المثيرةِ للاهتمام ومتعدّدة الأبعاد وعاليةِ الإنجاز، وأحياناً للذكاء والعبقريّة.

كمثال بسيط يمكن أن نذكر شخصيّة مثل “توني سوبرانو” زعيم المافيا العنيف الذي لا يتوانى عن إزهاق الأرواح والقضاء على الخصوم وحتى الخونة من الرفاق، لكنّه يجلس بين يدي معالجتِه النفسيّة رجلاً يُمكنُ لنا جميعاً أن نفهمَه، يعيشُ تناقضاتِه الشخصيّة والعائليّة والاجتماعيّة كأيّ شخصٍ منّا.

ثم جاءتِ السّوشال ميديا وأخذت الفردانيّة إلى حُدودٍ لم يكن ممكناً تصوّرُها من قبل، ووسّعت مساحةَ الذّات الواحدة برغباتِها وتفضيلاتِها وانتصاراتِها وانكساراتِها وانشغالِها الكبير بنفسِها. ومع أنّ السوشال ميديا أتاحت للمتخصّصين مساحةً لم يكونوا يتخيّلونها من قبل لتقديم اختصاصهم للجمهور، إلا أنّها في الوقت نفسِه أعطت مشروعيّة لا تكادُ تُساءَل للتجربةِ الذاتيّة على حساب المتخصّصين والخبراء، وفتحت مجالاً هائلاً للحديث عن النفس في صحتِها وسقمِها، وأدخلت موضوعَ الصّحة النفسيّة في طورٍ شائكٍ من تداخل المعلومة والتجربة والتسويق والكسب المادّي، وهو طورٌ ما نزالُ نتبيّنُ تفاصيلُه شديدةَ التّداخل والتعقيد.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة