لماذا الاكتئاب في ازدياد؟

لماذا الاكتئاب في ازدياد؟

Why is depression on the rise?

كُلّما طُرِح التساؤل عن ازدياد الحديث عن مرض نفسيّ معيّن، سرعان ما يكون هناك جواب مفادُه بأنّ ما حصل هو زيادة في الوعي بالأمراض النّفسيّة وفي تشخيصها، وبأنّ تراجع الوصمة الاجتماعية يُشجّعُ النّاس على الحديث عنها. 

هذا كلّه صحيح، لكنّ بعض الأمراض النفسيّة في ازديادٍ فعليّ، أي أن نسبة انتشارها تزداد بالفعل، بصرف النّظر عن زيادة الوعي والاهتمام والتشخيص وتناقص الوصمة، والاكتئاب أحد هذه الأمراض النفسية التي تزدادُ نسبتُها.

ولأنّ الأمراض النفسية ليس لها سبب واحد، بل تظهر عند تضافر مجموعةٍ من العوامل، فمن الصعب تحديدُ سببٍ واضح لتزايد نسب الاكتئاب. لكن لأننا نعرف كثيراً من العوامل التي تُساهِمُ في ظهور الاكتئاب، فبإمكاننا أن نراقب كيف تغيّرت هذه العوامل عبر الزمن، وكيف أدّى هذا التغيّر إلى ارتفاع نسب الاكتئاب.

ظُهورُ الاكتئاب هو محصّلةُ تدافُعٍ مستمرّ بين عوامل تزيدُ من احتِماله، وعوامل وقاية تقلّل من احتماله، تماماً مثل منافسة شدّ الحبل. وإذا تزايدت نسب الاكتئاب في حقبةٍ ما، فهذا سيكون نتيجةً لتزايد عوامل الإصابة بالاكتئاب وانتشارها، أو نتيجةً لضعف وتناقص عوامل الوقاية والحماية، أو كليهما.

وفيما يلي نستعرض أهمّ هذه العوامل.

أولا: يوم الطبيعة ويوم الإنسان

يوم الطبيعة مرتبطٌ بالشمس، ومن المهم لصحة الإنسان الجسدية والنفسية أن تكون دورة يومه مرتبطةً قدر الإمكان بدورة الشمس. لكن يومَ الإنسان أصبح منفصِلاً إلى حدّ بعيد عن دورة الشمس، فكثيرٌ من البشر تقتضي وظائفهم والتزاماتُهم أن يستيقظوا باكرا جدّا، أو أن يعملوا في الليل، أو أن يعملوا في أماكن مغلقة بعيدا تماماً عن ضوء الشمس ودورة اليوم الطبيعي. هذا يؤثّر سلباً على التعرّض لضوء الشمس، وعلى استقرار العمليّات الحيوية في الجسم، وعلى دورة المزاج. 

ثانيا: النوم

النّوم من أهمّ عواملِ الوقاية من الاكتئاب، فضلاً عن وظائفه الأخرى بالغة الأهمية. وفي العقود الأخيرة، هناك عددٌ كبير من العوامل المستجدة التي تهدّد قدرة البشر على النوم الجيد. أحدُها هو النقطةُ السابقة، أي انفصال يوم الإنسان عن اليوم الطبيعي ودورة الشمس.

لكن هناك عوامِلُ أخرى تهدد النوم الجيد، من بينها ازدياد نسبة انقطاع النفس الانسدادي

Obstructive Sleep Apnea

وهذا بدوره مرتبطٌ بعوامل متعدّدة من بينها ارتفاع نسب السّمنة.

ومن العوامل الأخرى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، مع ما تسبّبه من تزاحُمٍ في الأفكار وتداخلٍ في المشاعر وتقلّب في المزاج، خصوصاً في الساعات الأخيرة من اليوم حيثُ يحتاجُ الجسم والذّهن إلى الهدوء من أجل النوم الجيّد.

وهناك كذلك انتشار المنبّهات مثل القهوة والشّاي وتزايُد استخدامِها، وسُهولة الحصول على أطعمة سكريّة للغاية واستهلاكها قبل النوم، وهو ما سهّله التصنيعُ الغذائيّ، ثم انتشار خدمات التوصيل للمنازل.

ثالثا: النشاط البدني

النشاط البدني من أهم عوامل الوقاية من الاكتئاب. كان النشاط البدني جزءاً أساسيّاً من حياة البشر حتى عقود قريبة، فكثيرٌ من الوظائف والأعمال كانت تتطلب نشاطا بدنيّا عاليا، كما أن وسائل النقل لم تكن بالوفرة التي هي عليها اليوم، ولم تكن مصادر اللهو والترفيه موجودة بالأساس في غرفة الجلوس أو في الجيب كما في زمن التلفاز ثم الهاتف الذكي.

على الجانب المشرق، هناك اهتمامٌ متزايد بالرياضة وبدورها في الصحة الجسمية والنفسية، ونأمل أن يساعد هذا الأمر في الحد من ازدياد الاكتئاب.

رابعاً: العلاقات

من المنصِف القول إن العلاقات الإنسانيّة أصبحت أكثر تعقيداً في عصرنا، وكثرةُ الحديث في العلاقات تعكس إشكالات كبيرة في هذا الجزء المهم من حياتنا. إنسانُ هذا الزّمن أكثر وحدة، وأكثرُ مُساءلةً ونقداً لعلاقاته، وكثيراً ما يعيشُ في وهم تعدد الخيارات، أي الشّعور بأنّ وسائل النقل والاتصال والتواصل تتيح له كمّاً هائلاً من الخيارات في العلاقات، لكنّ هذه الوفرة النظرية لا تترجم نفسها إلى وفرة فعليّة.

بالإضافة لذلك، صار جانب العبء يتغلّبُ في كثيرٍ من العلاقات على جانب السّعادة، فالعلاقة مع الأبناء مثلا صارت شعورا دائما بالمسؤولية والضغط، بدل أن يكون المسؤولية متوازناً مع الفرح بالأبناء والسعادة بوجودهم.

خامساً: تراجع الدعم الاجتماعي

الفردانية من سمات إنسان هذا العصر، خصوصاً في المناطق المدينيّة والتجمّعات السكّانية الكبيرة. ومع أنّ الفردانية حققت للإنسان كثيراً من الأصالة في التفكير وتقرير المصير واختطاط مسيرة الحياة، إلا أنّ هذه الإنجازات كانت مقايضة مع الدعم الاجتماعي والأسرة الممتدّة وتقاسُم الأعباء ضمن دائرةٍ أكبر.

سادساً: الوعي الفائق بالحاجات والرّغبات

كان الإنسان محصوراً إلى حدّ بعيد بمحيطه الاجتماعي القريب، وكانت تصوّراتُه لحاجاتِه ورغباتِه تتشكّلُ أساساً من خلال المخيال الذي يصنعُه هذا المحيط. كانت الحاجاتُ والرغباتُ أكثرَ بساطة، وكان عدمُ تحقّقها أقلّ وطأة.

لكنّ إنسانَ اليوم انفتح من خلال الميديا والسوشال ميديا على أنماط عيشٍ لا حصرَ لها، لا في مجتمعِه الكبير فحسب، بل في العالم كلّه، الغربيّ منه خصوصاً. بالتّالي، تشكّلَ محيطٌ هائلٌ من الحاجاتِ والرّغبات، واتّسع بالتالي نطاقُ خيباتِ الأمل المحتمَلة.

سابِعا: فقدان المعنى

في العالم الغربيّ، امتلأ النصف الثّاني من القرن العشرين بالإيديولوجيّات والفلسفات التي تحاولُ التّعامل مع موضوع فقدان المعنى. رسّخت تلك الحقبةُ ما صار يُعرَفُ ب”انهيار السرديّات الكبرى”. فعصر “الحداثة” كما اصطلحَ الغربُ على تسميتِه وضع مفاهيم “العقلانية” في قيادة المصير البشريّ بديلاً عن الدّين، وجاءت الحربُ العالمية الثانية لتضع عقلانيّة الإنسان الغربيّ موضعَ التشكيك، وتفتحَ الباب واسِعاً للتساؤل عمّا إذا كان هنالك من سردية كبرى أو قصّة جامِعة يُمكِنُ للإنسان أن يرويَها عن نفسِه.

هذه الحالة انتقلت لبقيّة العالم بدرجاتٍ وطرق مختلِفة، وصارت مقولة “فقدان المعنى” ثيمةً منتشرة ومتكرّرة لوصف المجتمعات التي تنهارُ سرديّتُها الجامعة أو روايتُها المؤسِّسة أو عقدُها الاجتماعيّ أو منظومتُها الأخلاقية أو استقرارُها الاقتصادي أو أي مزيجٍ مما سبق.

ثامناً: ضعفُ الامتنان

ممّا نعرفه عن سيكولوجيّة الإنسان أن قيمةَ الأشياء عندَه تتراجعُ عندما يُحصِّلُها، ولذا، عليه أن يبذُلَ جهداً واعياً ليكونَ ممتنّاً لما عنده وما يحظى به.

كما أن الفجوات المادّية والاجتماعيّة اتّسعت بين المجتمعات، واتّسعت بين الطّبقات في المجتمع الواحد، وانتشار الميديا والسّوشال ميديا يُجبِرُ الإنسانَ على المقارنة الدّائمة.

فحتّى لو كان مستوى حياة إنسانٍ ما قد تحسّن بعشرة أضعاف عن جدّه، فهو يرى أنّ في مجتمعِه من تحسّنت حياتُهم المادّية عشرين ضعفاً عن أجدادِهم، ويرى مجتمعاتٍ أخرى من خلال السّوشال ميديا هي بدورِها في تقدّمٍ مادّي يسبقُ مجتمعَه بكثير.

بالتّالي، ثمة أسبابٌ كثيرة تجعلُ إنسانَ هذا الزّمن أقلّ امتناناً رغم ما يمتلِكُه، وأكثر عرضةً لتقلّبات المزاج وسطوة الاكتئاب.

تاسعاً: أنماط التّربية

ثمّةَ الكثير من التغيّرات الإيجابية في أنماط التربية خلال العقود الأخيرة، فالاعتمادُ على التحفيز الإيجابي، ونبذ الضّرب، والاهتمام بعالم الطّفل ومشاعره، وغيرها، كلّها إنجازاتٌ حميدة وثقافة ينبغي الحفاظُ عليها.

لكنّ من أهم مثالب الأنماط الحديثة في التّربية أنها تُحاول أن تحمي الطّفل من جميع المشاعر السّلبية، أي أن تجعله يعيشُ في بيئةٍ معقّمةٍ نفسيّاً، لا ملل فيها ولا شعورَ بأي حزن أو قلق أو حرمان أو فواتٍ في الرّغبات.

بالتّالي، يملأُ الهاتف أو التلفاز كلّ الوقت الذي كان يمكن أن يُسبّب الملل، ويفزعُ الأبوان لإنقاذ الطّفل حين يستفزّه زميلُه في المدرسة أو يستبعدُه أطفالُ الجوار من لعبة، ويظنّون أنهم بذلك يحمونه، لكنّهم في الحقيقة يحرمونه من تجارب في غاية الأهمّية تُكسِبُه مناعةً تجاه المشاعر السّلبيّة، وتُحفّزُه على تنمية مهاراتِه الاجتماعية وتطوير قدرته على حل المشكلات.

فينشأً الطّفل وهو معتادٌ على أنّ شخصاً ما سيقفز ليُنقِذَه من كلّ موقف، وعلى أنّ كلّ شعور سلبيّ يجبُ أن يختفي بطريقةٍ أو أخرى، فيقلق ويكتئب حين تداهمُه الحياة الحقيقيّة.

عاشراً: الميديا والسّوشال ميديا

وهذا العامل يتخلّلُ كثيراً من العوامل السابقة، فالميديا والسّوشال ميديا تؤثّر سلباً على النوم، وتشجّع على الكسل وتحدّ من النشاط البدني، وتُضعِفُ من الإقبال على الحياة الاجتماعيّة والعلاقات الحقيقيّة، وتُضعِفُ الامتنان، وتخلِقُ صورةً مشوّهة من الحاجات والرّغبات، وتزيدُ من دوّامات التوتّر وتقلّبات المزاج.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة