دليلك المختصَر لاتّخاذ القرارات الكبيرة

دليلك المختصَر لاتّخاذ القرارات الكبيرة

Your guide to making big decisions

يتّخذُ الإنسان مئات القرارات يوميّا، أكثرُها ذاتُ أهمّيةٍ محدودة، ويحتاجُ إلى اتّخاذ بضعة قراراتٍ مصيريّة في حياته، وبين هذين المستويين هناك الكثير من القرارات التي يمكن أن نصفَها بأنها “كبيرة”. حديثنا في هذا المقال عن هذا المستوى، أي ما يقع في تلك المساحة الوسطى بين العادي والمصيري.

أولا: هل هذا القرار كبيرٌ فعلاً؟

ما الذي يجعلُ القرارَ كبيراً؟ وما الذي يجعلُه يوميّاً عاديّاً أو مصيريّاً؟ هذا أمرٌ يتفاوتُ كثيراً بين النّاس، لكنّ على شخص أن يُحدّدَه لنفسه، لكي يحدّدَ ما يستحقّه القرار من وقت وجهد وبحث وتفكير، فكثيرون يستهينون بالقرارات المصيرية ويندمون، وكثيرون يصرفون الكثير من طاقاتهم ومواردهم على قرارات لا تستحق.

وأقترح على القارئ، إذا لم يكن قد طوّر تعريفَه الخاصّ ل”القرارات الكبيرة”، أن يعتمِد التعريفَ التّالي: القرار الكبير هو القرار الذي أتوقّع أن يمتدّ أثرُه إلى فترة تتراوح من ثلاث إلى خمس سنوات من لحظة اتّخاذه. ما يزيد عن ذلك يدخل في دائرة القرارات الكبيرة جداً، وربما المصيريّة، وما يقلّ عن ذلك يدخلُ في دائرة القرارات محدودة الأهمّية.

بالتّالي، فأول خطوة هي أن نسأل أنفسنا: بعد ثلاث سنوات، هل سيكون لهذا القرار أثر؟ 

فإذا كان الجواب هو “لا”، فهذه بحدّ ذاته ينبغي أن يكون سببا كافيا للحدّ من القلق والتوتر بخصوص القرار، وأن يضعه في سياقه الطبيعي.

ثانيا: ماذا أعرِفُ من معلومات بخصوص هذا القرار؟

في أوقات اتخاذ القرارات الكبيرة، كثيراً ما نتوه بين ما هو معلومات، وما هو تخمينات، وما هو توقّعات، وما هو تخوّفات، وغير ذلك. من المفيد جدّاً أن نسألَ السّؤال التّالي: ما الذي أعرفُه من معلوماتٍ موثوقة حول معطيات هذا القرار؟

كثيراً ما نُفاجَأُ ونحنُ نكتبُ إجابةَ هذا السّؤال أننا نعرفُ الكثير، وأن القرار أسهلُ مما توقّعنا، وكثيراً ما نكتشف أن هناك جوانب جوهريّة نجهلُها في معطَيات القرار. إخراجُ القرار من ضجّة التفكير في اتخاذه إلى ترتيبٍ واضحٍ للمعطيات في خارجِ الذّهن على ورقة كثيراً ما يوضّحُ لنا الكثير عن القرار وعن أنفسِنا.

ثالثا: هل هناك معلوماتٌ أساسيّة مفقودة عليّ أن أعرفها 

قد يتّضح لنا أن هناك معلومات أساسيّة مفقودة وينبغي البحثُ عنها. نتحدّثُ هنا عن المعلومات التي يُمكن الحصولُ عليها. مثَلاً، لا يجوزُ اتّخاذُ قرار التخصص الجامعي من دون معرفةِ فرص العمل الحاليّة وأجورها التقريبيّة لمن يحملون شهادةَ التّخصص. هذه معلومة أساسيّة، والحصولُ عليها ممكن.

رابعا: اليقين بأن القرارات الكبيرة لا يمكن أن تتوفّر بشأنها معلوماتٌ كاملة

من المهم البحثُ عن المعلومات الأساسيّة، لكن من الوهم البحث عن المعلومات الكاملة. وجودُ قدرٍ من اللايقين ومن الحدس ومن الاحتمال سمةٌ أساسيةٌ في القرارات الكبيرة. في الواقع، جزءٌ أساسيّ من كون القراراتِ الكبيرة كبيرة هو أنّ النّاس يتفاوتون في إتقانهم لاتّخاذِها وفي حظوظهم بعد اتخاذِها، فلو كان الحصولُ على معلوماتٍ كاملةٍ بشأنها أمراً متاحا لفعلَه الجميع أو أكثرُ الناس، ولأصبحَ القرارُ روتينيّا آليّا، وما عاد قراراً كبيراً.

خامسا: الاستشارة 

المستشارُ المثاليّ هو شخصٌ يعرفكَ جيّداً، ويعرِفُ موضوعَ القرار جيّداً. هذا أمرٌ نادر، ونحتاجُ في القراراتِ الكبيرة غالبا إلى الفصل بين المهمّتَين، فهناك “مستشار موضوعيّ”، وهذا شخصٌ مُلمّ بموضوع القرار، واستشارتُه تهدف إلى استكشاف جوانبِ مادّةِ القرار، وما يُمكن أن يكون قد غابَ عنك منها.

وهناك “مستشار وجدانيّ”، وهذا شخصٌ يعرفكَ أنت جيّداً، وتستطيع أن تستفيدَ من اهتمامه بمصلحتك ومن رحابته الوجدانيّة ومن قدرتِه على ملاحظة أنّك مندفعٌ أكثرَ من العادة، أو خائفٌ بطريقة غير مفهومة، أو تفكّر في اتّخاذ قرار غريب على شخصيّتك وقيمك.

ومن الخطأ الكبير الخلطُ بين المستشارَين، فقد يتّخذُ شخصٌ قراراً مهنيّاً خاطئاً لأنّ صديقَه المقرّب كان مرتاحاً للأمر، في حين كان عليه أن يستشيرَ خبيراً. وقد يقومُ أحدُهم باستثمارٍ ماليّ لا غُبارَ على جدواه الاقتصادية  بناء على استشارةِ خبير، لكنّه لم يستشِرْ المقربينَ الذين يعلمون أنه لا يملكُ طولَ البال والصّبر اللازمين لنجاح هذا الاستثمار.

وأسوأ مطبّات الاستشارة أن نتوقّع أو نرغب أن يتخذَ المستشار القرار نيابةً عنّا.

سادسا: القرارات الكبيرةُ رهانات

فمهما بحثنا عن معلومات واستشرنا من مقرّبين ومتخصّصين، يظلّ هناك قدرٌ من الرّهان على شيء لا يُمكن توقّعُه تماماً.

فمهما كان التخصص الجامعيّ مرغوباً الآن، أنت تُراهن بدخوله على ما سيكون عليه الحال بعد سنوات، وحين يقرّر المثقّف أن ينشغِلَ بالسياسة سعياً للإصلاح، فهذا رِهانٌ على أنّ التّغييرَ بأدوات السياسة والعمل الحزبيّ سيؤتي بعدَ سنوات ثماراً أفضلَ من الفكر، وهكذا. 

هذه كلُّها رهانات، قد تُصيب وقد تخيب، وهكذا القرارات الكبيرة، وهذا هو واقعُ الحياة.

سابِعا: القراراتُ الكبيرةُ مقايَضات

فنحنُ في القرارات الكبيرة نختارُ غالباً شيئا على حسابِ شيء، ولا يُمكنُ لنا توقُّعُ الحصول على الأفضلِ من كلّ شيء.

مثَلاً، الزواجُ والإنجاب مبكّراً يُتيحُ للأبوين أن يكونا شابّينِ قويّين لفترةٍ أطولَ من حياةِ أطفالهما، ولهذا ميزاتُه المتعدّدة، لكنّه قد يعني إمكاناتٍ مادّية أقلّ لدى الأبوين لتعليمِ الأبناء، وقد يُبطئُ المسيرةَ المهنيّة لأحد الأبوين أو كليهما. والعكسُ صحيح.

بالتّالي، هناك غالباً مقايَضةٌ ما في القرارات الكبيرة، وهذا أمرٌ لا مفرّ منه عند التفكير فيها.

ثامنا: تفاهةُ الحكمةِ بأثَرٍ رجعيّ

تمتلئُ السوشال ميديا بمحتوى من قبيل “أشخاص في السّبعين يحدّثونك عما سيغيّرون في حياتهم لو عادوا للثّلاثين”. هذا من أتفه ما يمكن أن تراه في السوشال ميديا، وأنصحك ألا تعيرَ هذا المحتوى أيّ اهتمام، أو أن تقرأه بعين شديدة النقدية.

والسبب هو أننا نميلُ دائماً إلى تضخيم قيمةِ ما فاتنا، والتقليل من قيمة ما حصّلناه. فالسبعينيّ الذي يُخبرك أنه لو عاد الزمن لاهتمّ أكثر بالثقافة والمعرفة على حساب النجاح المهنيّ، هو يُخبرك هذا بعد أن تنعّم بمزايا النّجاح المهنيّ، من دخل جيّد، واستقرارٍ في وجه تقلّبات الحياة، وقلقٍ أقلّ على مستقبل أبنائه، وتعليمٍ أفضل لهم، ومرموقية اجتماعيّة، وغير ذلك. من الطّبيعيّ في الإنسان أن يمُدّ عينيه إلى ما يتمتّعُ به غيره أكثر من امتِنانِه لما تنعّم به هو.

تاسِعا: اتخاذ القرارات التي نستطيع العيش بشكلٍ أفضلَ مع تبعاتِها طويلةِ المدى

وهذا ما يسمّيه علم النّفس “الإشباع المؤجَّل” أو “Delayed Gratification” أي تفضيلُ العوائدِ بعيدةِ المدى وطويلةِ الأثر على السرور العاجل أو الراحة السريعة، وهذه تكادُ تكونُ قاعدةً مطّرِدة، ففي البحث عن الحبّ والنّجاح الأسري والتفوّق المهنيّ والامتياز الثقافي والكفاءة الماليّة وغيرها، تتفوّقُ الخيارات المتأنّية طويلةُ المدى على الرغبات المستعجَلة والنّفَسِ القصير. 

عاشِرا: لا حلّ لمعضِلة “الرأس القاسي” مقابل “التّكلفة المهدورة”

ستَجِدُ في الحياة أمثِلةً كثيرةً على أشخاصٍ أصرّوا على المضيّ في قراراتِهم ولم يلتفتوا للوراء، حتّى عندما ظهرت معطيات تخالف اتجاههم، وكانت النتيجة أنهم نجحوا في النهاية وحققوا مبتغاهم.

قد يكون هذا زواجاً ظنّ الجميع أنه سيفشل، أو شركة اتّخذت رهاناً على استثمار لم يقتنع به أحد، أو أكاديميا تخصّص في موضوع لا يقرأ فيه أحد ثم أصبح لسبب ما ملءَ السمع والبصر. هذه فضيلة “الرأس القاسي” الذي يواصِل بعد اتّخاذ القرار، لأنه يعتقد أن من العبث تغيير المسار كلما ظهرت صعوبة أو معلومةٌ مخالفة.

لكنك ستجدُ في الحياة أمثلةً كثيرة كذلك على من اختصَروا خسائرَهم، وغيّروا مسارَهم، واستفادوا من المعطيات المستجدّة لتغيير منهجهم جذريّا، وكانَ هذا التغييرُ قراراً أفضلَ لهم بالفعل. فلسفةُ هؤلاء تقوم على أنّ من الخطأ الكبير أن تستمرّ في مسار لمجرّد أنك استثمرتَ فيه الكثير، سواءٌ أكان هذا الاستثمار وجدانيّا أو عمريّا أو ماليّا. هذا ما يُسمّى ب”مغالطة التكلفة المهدورة”، أي الإصرار على مسارٍ خاطئ لمجرّد أنك استثمرتَ فيه الكثير، مثل البقاء في تخصص لمجرد أنك درستَه لسنوات رغم كرهك له وضعف احتمالات نجاحك المهنيّ فيه، أو انتظار أن يرتفعَ سهمُ الشّركة بعد خسائره لمجرّد أنك يعزّ عليك أن تبيعه بخسارة، أو الاستمرارُ في إيديولوجيّة فشلت في الواقع لمجرّد أنك قضيتَ شبابكَ مؤمناً بها.

والحقيقة أنك ستجدُ في الحياة أمثلةً كثيرةً على هذا وعلى هذا، وبالتّالي، لا يمكنُنا أن نحلّ قضيّة القرارات الكبيرة بمجرّد ذكرِ الأمثلة على الاستمرار أو على التراجع، فالقراراتُ الكبيرة ستظلّ تحدّياً، وسيظلُّ كلّ منها يحملُ ظروفَه الخاصّة، وبالتّالي سياقَه الفريد.

شارك المقال:

اشترك في النشرة البريدية

كن أول من يصلك كل جديد عن كتابات ومؤلفات الدكتور وإصداراته القادمة